تناولت مواقع أمريكية التقرير الذي أعدته اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي الأمريكي حول خسارة انتخابات 2024 الرئاسية، والذي أثار عاصفة جديدة داخل الحزب، بعدما خلا في النسخة النهائية تماما من أي إشارة إلى تأثير حرب الإبادة في غزة أو إلى إسرائيل والفلسطينيين على نتائج الانتخابات، رغم أن القضية كانت من أكثر الملفات إثارة للانقسام بين الديمقراطيين خلال حملة نائبة الرئيس السابقة كمالا هاريس أمام دونالد ترامب.
وأكد تقرير نشره موقع “إنترسبت” الأمريكي أن الوثيقة المؤلفة من 192 صفحة، والتي أعدها الإستراتيجي الديمقراطي بول ريفيرا بتكليف من اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، لم تتضمن أي ذكر لكلمات مثل “غزة” أو “إسرائيل” أو “فلسطين” أو “العرب الأمريكيين” أو “المسلمين”، رغم الجدل الحاد الذي رافق دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن للحرب الإسرائيلية على القطاع.
التقرير تناول بالتفصيل العوامل التي أضرت بحملة هاريس الانتخابية، لكنه تجاهل كليا ملفا اعتبره كثير من التقدميين والديمقراطيين الشباب سببا رئيسيا في تراجع الحماس الشعبي للحزب، خصوصا في أوساط الناخبين العرب والمسلمين والشباب.
ونقل إنترسبت عن أحد صناع القرار الذين شاركوا في مقابلات إعداد التقرير، وطلب عدم الكشف عن اسمه، قوله إن فريقه ناقش “بإسهاب” تأثير سياسة غزة مع معد التقرير بول ريفيرا، وإن الأخير أكد لهم أن “المراجعة الكمية للبيانات أظهرت بوضوح أن غزة أضرت ببايدن وهاريس”.
لكن هذه الخلاصات اختفت من النسخة النهائية للتقرير، ما فتح الباب أمام اتهامات داخل الحزب بمحاولة التهرب من مواجهة تداعيات الموقف الأمريكي من الحرب.
بوليتيكو: غضب حتى بين الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل
من جهته أكد تقرير نشره موقع “بوليتيكو” الأمريكي أن غياب غزة عن التقرير “أثار حيرة وغضبا” داخل الحزب، ليس فقط لدى الناشطين المؤيدين للفلسطينيين، بل أيضا بين الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل.
ونقل الموقع عن ديفيد هوغ، نائب رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية السابق، قوله إنه أبلغ معد التقرير بأن الحزب “يحتاج إلى الاعتراف بالدور الذي لعبته غزة في خسارة الناخبين الشباب”. وأضاف أنه أثار المسألة نفسها خلال اجتماع استمر ثلاث ساعات مع مسؤولي الحزب.
أما هالي سوفير، المديرة التنفيذية للمجلس الديمقراطي اليهودي في أمريكا، فقالت للصحيفة إنها بحثت فور حصولها على التقرير عن كلمات “غزة” و”إسرائيل” و”اليهود”، لكنها لم تجد أي نتيجة، مضيفة: “تفاجأت. يبدو أن هناك حذفا هائلا”.
كما ذكر بوليتيكو أن منظمة “مشروع سياسات المعهد العربي الأمريكي للتعليم في الشرق الأوسط” أبلغت القائمين على التقرير خلال اجتماعات مغلقة أن دعم إدارة بايدن لإسرائيل ألحق ضررا بالبطاقة الديمقراطية الانتخابية. ووفق المنظمة، فإن مسؤولي الحزب أخبروهم آنذاك بأن بيانات اللجنة نفسها أظهرت أن موقف الإدارة كان له تأثير سلبي كبير في الانتخابات.
وفي محاولة لاحتواء الجدل، أصدر رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية كين مارتن بيانا أكد فيه أنه نشر التقرير “كما استلمه بالكامل”، لكنه أضاف أنه لا يؤيد “ما ورد فيه أو ما تم استبعاده منه”. كما وصف التقرير بأنه “غير جاهز للعرض”، وأرفقته اللجنة بتحذير يؤكد أن الوثيقة “تعكس آراء مؤلفها وليس اللجنة”، وأن الحزب لم يحصل على البيانات والمقابلات الأصلية التي استند إليها التقرير.
لكن الانتقادات استمرت، إذ اعتبر عبد السيد -المرشح التقدمي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان وأحد أبرز داعمي حركة “غير ملتزم” الاحتجاجية ضد سياسة بايدن في غزة – أن تجاهل القضية يعني أن الحزب “ما زال غير مستعد لمواجهة عواقب أخطائه والتعلم منها”.
وكانت حركة “غير ملتزم” قد برزت خلال الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عام 2024، حيث حصدت مئات آلاف الأصوات الاحتجاجية اعتراضا على دعم واشنطن للحرب الإسرائيلية. كما حاول ناشطون الدفع نحو منح متحدث فلسطيني أمريكي مساحة في المؤتمر الوطني الديمقراطي بمدينة شيكاغو، لكن الحزب رفض ذلك.
ناشونال إنترست: جدل الحزب الديمقراطي وتراجع صورة أمريكا
وأشار تقرير لمجلة “ناشونال إنترست” إلى أن الجدل الداخلي في الحزب الديمقراطي يتقاطع مع تحولات أوسع في نظرة العالم العربي إلى الولايات المتحدة. واستند هذا التقرير إلى استطلاعات “الباروميتر العربي” في ثماني دول عربية خلال عام 2025، وخلص إلى أن صورة الولايات المتحدة تراجعت بصورة حادة بسبب موقفها من حرب غزة، بينما باتت الصين تُعتبر أنها أكثر احتراما للقانون الدولي.
وأشار الاستطلاع إلى أن غالبية المستطلعين في دول عربية عدة يرون أن واشنطن “تنحاز إلى إسرائيل ضد الفلسطينيين”، بعدما شاهدوا الولايات المتحدة “تزود إسرائيل بالسلاح وتحميها في مجلس الأمن وترفض قرارات وتوصيات المؤسسات الدولية”.
نسب التأييد للولايات المتحدة والرئيس ترامب متدنية للغاية في دول عربية عدة، بينما تفوقت الصين وحتى روسيا على واشنطن في مؤشرات الشعبية والثقة.
وحسب التقرير، فإن هذا التحول لا يعود فقط إلى تعاطف عربي تقليدي مع الفلسطينيين، بل إلى “اتهام النفاق”، أي تطبيق واشنطن لمبادئ القانون الدولي بشكل انتقائي؛ فهي دافعت بقوة عن سيادة أوكرانيا في مواجهة الغزو الروسي، لكنها تبنت موقفا مختلفا تماما تجاه غزة.
كما أظهر الاستطلاع أن نسب التأييد للولايات المتحدة والرئيس دونالد ترامب كانت متدنية للغاية في دول عربية عدة، بينما تفوقت الصين وحتى روسيا على واشنطن في مؤشرات الشعبية والثقة.
هذه التحولات، بحسب التقرير، لا تهدد فقط صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بل قد تعقّد أيضا جهودها لبناء تحالفات إقليمية أو توسيع اتفاقات التطبيع العربية-الإسرائيلية، لأن الحكومات العربية ستواجه كلفة سياسية داخلية متزايدة إذا بدت متماهية مع واشنطن في وقت تتزايد فيه نقمة الرأي العام على السياسة الأمريكية.


