في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الكلمات بحدّتها، بل بقدرتها على فتح الأبواب المغلقة وصناعة مساراتٍ جديدة في قلب الأزمات. ومن هنا، يكتسب خطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخير أهميته، لا بوصفه مجرد تصعيدٍ لغوي تجاه بنيامين نتنياهو، بل باعتباره – إن أُحسن استثماره – مدخلاً لتحوّلٍ سياسي أوسع، قد تبدأ أولى ملامحه من طهران.
لقد كان العالم العربي والإسلامي، طوال شهور العدوان على غزة، ثم مع اتساع رقعة التوتر باتجاه إيران، ينتظر من أنقرة موقفًا أكثر حسمًا ووضوحًا. كان هناك عتبٌ حقيقي، وشعورٌ بأنّ الصوت الذي اعتدناه من أردوغان في محطات سابقة – سواء في حرب غزة في سنوات مضت، أو خلال ثورات الربيع العربي – لم يعد بالزخم ذاته. فالتوقعات من رجلٍ بحجمه لم تكن عادية، بل كانت ترتقي إلى مستوى “زعيم أمة”، لا مجرد رئيس دولة.
وفي هذا السياق، جاء خطابه الأخير، بنبرةٍ حادة ورسائل تصعيدية، ليعيد طرح السؤال: هل نحن أمام تحوّلٍ حقيقي في الموقف التركي، أم مجرد استعادة مؤقتة للغةٍ افتقدها الشارع العربي والإسلامي؟
الحقيقة أنّ قوة الخطاب، مهما بلغت، لا تكفي وحدها. فالتجربة السياسية علمتنا أن المواقف تُقاس بترجمتها على الأرض. ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام أردوغان لا يكمن في رفع سقف التصريحات، بل في تحويلها إلى خطواتٍ عملية تعيد التوازن إلى مشهدٍ مختل، وتمنح تركيا موقعًا فاعلًا في معادلات التأثير.
وفي تقديرنا، فإن الخطوة الأهم التي تنتظرها شعوب هذه الأمة، هي أن يتبع هذا الخطاب تحرّكٌ سياسي نوعي، يتمثل في زيارة أردوغان إلى طهران. زيارةٌ ليست بروتوكولية، بل محمّلة برسائل واضحة إلى كلٍّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، مفادها أن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام استمرار العدوان، وأن زمن الاستهانة بدماء العرب والمسلمين لا يمكن أن يستمر دون كلفة سياسية.
لكن أهمية هذه الزيارة – إن تمت – لا تتوقف عند حدود الردع أو إعادة التموضع، بل قد تتجاوز ذلك إلى أفقٍ أرحب، يتمثل في فتح باب مصالحة تاريخية بين إيران ودول الخليج. وهنا تكمن الفرصة الكبرى: أن تتحول أنقرة من لاعبٍ متابع إلى وسيطٍ فاعل، يسهم في رأب صدعٍ طال أمده، وأرهق المنطقة سياسيًا وأمنيًا.
ولعلّ ما يعزز هذا التصور، وجود مؤشرات على أدوار إقليمية مساندة يمكن البناء عليها، وفي مقدمتها دور باكستان، التي سعت إلى رعاية قنوات تواصل وتفاوض، وتهيئة بيئة أكثر مرونة للحركة التجارية، بما يخفف من حدة الاختناق الاقتصادي، ويفتح نوافذ للتعاون بدل التصعيد. مثل هذه الأدوار، إذا ما تلاقت مع مبادرة تركية جادة، يمكن أن تشكّل نواةً لتحالف عقلاني، يعيد ترتيب الأولويات بعيدًا عن الاستقطاب الحاد.
ولا يقف الأفق عند حدود الإقليم فحسب، بل يمكن لهذه الخطوة – إذا ما نُسجت بحنكة سياسية – أن تشكّل مدخلاً لتحرّك تركي أوسع باتجاه بعض العواصم الأوروبية، بهدف الدفع نحو تخفيف أو رفع القيود الاقتصادية المفروضة على إيران، في إطار تفاهماتٍ متدرجة توازن بين المصالح الدولية والاستقرار الإقليمي. كما قد تفتح الباب أمام صياغة تفاهمات حساسة تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يضمن بقاءه مفتوحًا أمام التجارة الدولية، ويحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهات تهدد الاقتصاد العالمي برمّته.
إنّ نجاح أردوغان في هذا المسار – إن اختار المضي فيه – لن يكون مجرد إنجازٍ دبلوماسي عابر، بل قد يُسجَّل في ذاكرة شعوب المنطقة بوصفه اللحظة التي استطاع فيها زعيمٌ أن يجسر الهوة بين ضفتي الخليج وإيران، وأن يفتح نافذة أمل في جدارٍ من الأزمات المتراكمة.
ومع ذلك، تبقى الطريق إلى هذه الغاية محفوفة بالتحديات؛ فتعقيدات المشهد الإقليمي، وتباين الحسابات، وتشابك المصالح الدولية، كلها عوامل تجعل من أي مبادرة بهذا الحجم اختبارًا حقيقيًا للإرادة والقدرة. غير أن اللحظات الكبرى لا تُصنع في ظروفٍ مثالية، بل في قلب الأزمات.
إننا اليوم أمام فرصةٍ قد لا تتكرر؛ فرصة لأن يتحول الخطاب إلى فعل، والغضب إلى مبادرة، والعتب الشعبي إلى رصيدٍ سياسي يُستثمر في صناعة الفارق.
فهل يمضي أردوغان إلى طهران، لا كزائرٍ عابر، بل كصانع مسار؟
وهل نشهد بداية لحظة إقليمية جديدة، تُكتب فيها المصالحات بدل الصراعات؟
سؤالٌ مفتوح، لكن الإجابة عنه قد ترسم ملامح مرحلةٍ كاملة في تاريخ هذه المنطقة.


