وكالة الطاقة الذرية "مسيسة".. أبوشادى يحذر: ضرب مفاعل "بوشهر" يعني تسميم مياه الخليج لعشرات السنين

الأحد 03 مايو 2026 07:11 م / بتوقيت القدس +2GMT
وكالة الطاقة الذرية "مسيسة".. أبوشادى يحذر: ضرب مفاعل "بوشهر" يعني تسميم مياه الخليج لعشرات السنين



القاهرة /سما/

ارتبط العالم المصرى الدكتور يسرى أبوشادى لسنوات طويلة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى شغل منصب كبير المفتشين فى الوكالة وامتلك خبرة كبيرة فى قضايا الانتشار النووى.

وأجرى موقع "اليوم السابع" المصري حواراً معه قدم خلاله تشريحا دقيقا للبرنامج "النووى" الإيرانى وحجم الضرر الذى أصابه جراء هذه الحرب واحتمالات التسرب الاشعاعى التى تواجه المنطقة والسيناريوهات الكارثية التى تتبع ذلك، وكذلك سبل خفض التصعيد وسباق امتلاك السلاح النووى..

والى نص الحوار:-

هل يمكن ان تشرح لنا طبيعة البرنامج النووى الإيرانى؟

البرنامج النووى الإيرانى متشعب وأهم ما فيه عمليات تخصيب اليورانيوم التى بدأت منذ بداية هذا القرن وتفوقت إيران فيها كثيرا وتمكنت من إنتاج نحو 20 طنا أو أكثر من اليورانيوم المخصب، على مرحلتين.

المرحلة الأولى وصل فيها الإنتاج ما بين 10 و11 طنا حتى عام 2015 عندما تم توقيع الاتفاق مع إدارة أوباما وبموجبه تم التخلص من هذا المخزون إما بالخلط أو بإرساله الى روسيا، وبالفعل تم إرسال أغلب المخزون إلى روسيا وانتهى الأمر. بعد ذلك عندما جاء ترامب وألغى الاتفاق فى 2018 عادت إيران لتخصيب اليورانيوم وتم إنتاج 10 أطنان من اليورانيوم المخصب لكن الفارق أنه فى هذه المرة تم إنتاج حوالى 500 كجم من اليورانيوم عالى التخصيب بنسبة 60% وهذا هو الجديد.

هذا فى ما يتعلق بالتخصيب، أما فى ما يتعلق بالمنشآت فالإيرانيون كان لديهم مصنعان للتخصيب فى ناتانز فوردو، ومصانع الإعداد والتأهيل لليورانيوم الغازى الذى يستخدم فى التخصيب فى أصفهان، وأيضا برنامج أبحاث نووية منذ عهد الشاه، بل إن أول مفاعل أبحاث 5 ميجاوات كان فى طهران، وأمريكا هى التى أهدته لإيران فى زمن الشاه وهذا المفاعل مهم جدا فى الأبحاث وفى إنتاج نظائر مشعة للمستشفيات ولم يتم المساس به، أما الجزء الثانى من البرنامج النووى فيضم مفاعلات الطاقة الكهربائية فى بوشهر وكانت بدايتها فى عهد الشاه وأيضا روسيا نفذت مفاعل بوشهر المعروف الذى يعمل منذ عام 2012 بالإضافة إلى مفاعلين آخرين ما زالا تحت الإنشاء فى بوشهر، وأيضا لديهم مصانع لتصنيع وحدات الطرد المركزى ومصانع لإنتاج وحدات الوقود، وكان لديهم مفاعل "أراك" للماء الثقيل الذى تعرض للضرب بشكل كامل لكنه لم يكن قد بدأ العمل بعد ولديهم أيضا بعض المفاعلات المحلية كمشاريع تحت الانشاء ولم يتم الانتهاء منها، وبالتالى هو برنامج كبير بلا جدال.

ما هو حجم الضرر الذى وقع على البرنامج النووى الإيرانى جراء الحرب الأخيرة؟

أهم جزء تضرر هو برنامج تخصيب اليورانيوم سواء كان فى ناتانز أو فوردو أو أصفهان وكذا مفاعل أراك للماء الثقيل الذى لا يحوى أى وقود هذه المنشآت تم تدميرها بشكل كبير، وإن كان غير مؤكد حتى الآن تدمير مصنع التخصيب الموجود فى وحدات الطرد المركزى فى فوردو الذى يقع على عمق حوالى 100 متر أو الموجود فى ناتانز على بعد حوالى 80 متر، وهذا بسبب أن أماكن الدخول والخروج والانفاق الموصلة لهذه المنشات موجودة تحت الأرض وكلها تم تدميرها وإيران لا تحاول إصلاح أى شيء فى الفترة الحالية أو إزالة الركام، أيضا مصانع التخصيب الموجودة فى أصفهان تم ضربها وبشدة وكذلك المصنع التجريبى لتخصيب اليورانيوم فى ناتانز، هذه المنشآت ضربت بالكامل وأغلبها كان فوق الأرض فتم تدميرها بشكل كبير وأيضا كان هناك أكثر من مخزن لليورانيوم المخصب والعالى التخصيب فى إحدى الأنفاق العميقة فى أصفهان لكن لم يتم ضربه بشكل مؤثر حتى الآن».

فى رأيك ما هى أهم مرحلة فى البرنامج النووى الإيرانى؟

المرحلة الأكثر أهمية فى تقديرى بدأت من بدايات شهر نوفمبر 2024، يوم إعلان انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية لفترة جديدة، هذا اليوم كان فارقا بالفعل فقبله كانت عملية تخصيب اليورانيوم فى إيران تتم بمعدلات بسيطة جدا، وبمخالفات بسيطة لاتفاق 2015، لكن منذ هذا التاريخ بدأ التوسع الشديد فى إنتاج اليورانيوم عالى التخصيب بنسب وصلت إلى 60% وبمعدل إنتاج وصل الى حوالى 500 كجم.

خلال الحرب الحالية وحرب الـ18 يوما السابقة تم استهداف كثير من علماء الطاقة النووية فى إيران.. ما أثر ذلك على برنامج إيران؟

"هذا حقيقى، وإسرائيل على مدار سنوات طويلة، استهدفت قيادات كبيرة من العلماء الإيرانيين، كنت على معرفة ببعضهم، وتعود عمليات الاستهداف الى أعوام 2010، و2011، و2012 بصورة خاصة، حيث تم اغتيال عدد من العلماء الإيرانيين أيضا، وفى حرب ال18 يوما يونيو الماضى، تم استهداف عدد كبير من العلماء الإيرانيين واستمرت عمليات الاستهداف بعد ذلك، حتى فى الحرب الأخيرة. لكن أريد أن أقول إن إيران استطاعت أن تكوّن كوادر علمية ضخمة جدا، صف أول وثانى وثالث، ولم يعد البرنامج الإيرانى يعتمد على أفراد بعينهم، وبالتالى فإن الاغتيالات التى تطال بعض الأفراد لها بعض التأثير، ولكن لم ولن توقف البرنامج النووى الإيرانى.

هل نجحت الحرب الأمريكية فى إيقاف البرنامج النووى الإيرانى؟

"أمريكا تمكنت من تعطيل برنامج التخصيب المعلن عنه من جانب إيران، والذى كان يخضع سابقا للتفتيش الدورى من الوكالة الدولية للطاقة الذرية فمنذ يونيو الماضى توقفت إيران عن تخصيب اليورانيوم، لكن مع ذلك إيران قادرة على ان تواصل تصنيع اليورانيوم المخصب فى أماكن أخرى دون أن يعرف احد عنها شيئا. لكن يبقى أن الغرض الأساسى، من هذه الحرب، إن أمريكا كانت خائفة من اليورانيوم عالى التخصيب بنسبة 60% والذى يصل وفقا لتقديرات الوكالة الى حوالى 441 كيلوجراما لأن هذا القدر يمكن أن ينتج حوالى أكتر من 10 قنابل ذرية. وكل هذا بدأ بعد انسحاب ترامب من الاتفاق، وبعد إعادة انتخابه رئيسا للولايات المتحدة بدأت وتيرة الإنتاج تتسارع بنسب تخصيب وصلت إلى 60% لأن الإيرانيين كانوا يدركون أن هذه هى أهم ورقة لديهم.

هل أجهزة المخابرات الأمريكية غير قادرة على التوصل لما تبقى الآن من البرنامج النووى الإيرانى وما تم القضاء عليه؟

صحيح أن أمريكا قضت على مصانع ومنشآت نووية إيرانية، وعطلت عملية التخصيب، لكن فشلت فى الوصول إلى اليورانيوم عالى التخصيب.

ما هو الفارق بين البرنامج النووى الإيرانى والبرنامج النووى الإسرائيلى؟

"القنبلة الذرية يتم تصنيعها إما من اليورانيوم عالى التخصيب بنسبة 90% أو من البلوتونيوم، وإيران سارت على خط اليورانيوم، واستعانت بشبكات غير شرعية تتبع عبد القدير خان، أبوالبرنامج النووى الباكستانى حيث منحهم بعض وحدات التخصيب ونجحت ايران فى تصنيع وحدات مماثلة، ولكن مع ذلك، فإن ايران ما زالت عضوا حتى الآن فى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وهى أكثر دولة فى العالم تخضع للتفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فى المقابل فان إسرائيل لم توقع أبدا على المعاهدة ولم يحدث أبدا أن ذهب المفتشون الى المفاعلات الإسرائيلية الحساسة وأهمها مفاعل ديمونة.

إسرائيل فى برنامجها أخدت الخط الثانى وهو خط البلوتونيوم، وبمساعدة فرنسا أنشأت مفاعل ديمونة الذى بدأ إنتاج البلوتونيوم منذ 1961 وتم إنتاج أول قنبلة نووية اسرائيلية عام 1967 بالتزامن مع حرب يونيو 67، وهذا هو الفارق الجوهرى بين البرنامجين، وأتصور أن إسرائيل بعد كل هذه السنوات دخلت فى التخصيب وبصورة خاصة التخصيب الليزر، وأتخيل أن لديها قنابل ذرية من اليورانيوم العالى التخصيب أيضا، وأتخيل أيضا تقديرا أن إسرائيل لديها ما يقرب من 300 رأس نووى، أما إيران فهى حتى الآن ليس لديها ولا رأس نووى ومازالت المواد الحساسة لديها كلها تحت التفتيش".

لماذا يتهم ترامب إيران باستغلال اتفاق 2015 لتخصيب اليورانيوم؟

"ما حدث هو العكس تماما.. إيران فى 2015 وقت توقيع الاتفاق مع أوباما، تم تحديد حد أقصى للتخصيب 300 كجم، اليوم إيران لديها 10 أطنان، من اليورانيوم المخصب أى 10 آلاف كجم، أيضا أثناء اتفاق 2015 تم النص على ان أقصى معدل للتخصيب هو 3.6، أما اليوم فإن معدلات التخصيب وصلت إلى 60% بعد انسحاب ترامب.. إذن إيران لم تستغل الاتفاق لكن يمكن القول إنها استغلت الانسحاب من الاتفاق.

ما رأيك فى مطالبة ترامب لإيران بتسليم مخزونها من اليورانيوم عالى التخصيب إلى أمريكا؟

تصريحات الرئيس ترامب غير متزنة، وتشعر أنها نوع من الهذيان تصدر عن رجل غير طبيعى فعندما يصرح بأن إيران وافقت على تسليم أمريكا كل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أقول له: "أنت بتحلم "إيران تعرف أن هذا المخزون هو حياتها وأكثر ما تخشاه أمريكا وإسرائيل".

هل يمكن نقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى دولة أخرى؟«نقل مخزون اليورانيوم إلى دولة أخرى مطروح وكان موجودا بالفعل فى اتفاق 2015 حيث كان مخزون إيران من اليورانيوم المخصب يتراوح بين 10 و11 طنا لكن معدل التخصيب كان بين 2% و20% فقط، ولم تصل أبدا إلى 60%، ووقتها أرسلت إيران جزءا من مخزونها إلى روسيا وذلك لأن إيران تستورد الوقود النووى الخاص بمفاعل بوشهر من روسيا، الذى تصنعه، أما فكرة إعطائه لأمريكا غير واردة على الإطلاق.

وأعتقد أن المشكلة الحقيقية الآن فى التوقيت الزمنى، إيران موافقة على التخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب لكن بشكل تدريجى، خطوة خطوة، وهذا هو الخلاف مع أمريكا الآن.

هل هناك خطر من حدوث تسريب إشعاعى جراء هذه الحرب؟
"لا توجد خطورة ذات قيمة من اليورانيوم المخصب، فاليورانيوم مادة ليست عالية الإشعاع، بدليل أنه تم ضرب المنشآت النووية فى فوردو وأصفهان ونتانز على وجه الخصوص، لأن هذه المنشآت كانت على السطح وانتشر وقتها اليورانيوم المخصب فى المنطقة، ولم يتوف أحد أو يصاب بإشعاعات عالية، لكن الخطورة والكارثة الحقيقية ستحدث إذا تم ضرب مفاعل بوشهر، وإيران فى المقابل قامت بضرب المفاعلات الموجودة فى دول الخليج مثل مفاعلات بركة فى الإمارات، فى هذه الحالة ستحدث كارثة فى المنطقة".

"وأخطر تداعيات للتسرب الإشعاعى، هو أن يحدث تسرب إلى مياه الخليج، وقتها ستصبح كارثة الكوارث لأن كل مياه الشرب فى منطقة الخليج وكل مصانع تحلية المياه ستتعطل لعشرات السنوات".

هل ستدفع هذه التوترات دولا أخرى للسعى لامتلاك سلاح نووى؟

وجود إسرائيل فى منطقة الشرق الأوسط كدولة وحيدة تملك أسلحة نووية منذ أكتر من 60 سنة، هو ما سيدفع كل دول المنطقة للتفكير فى امتلاك سلاح نووى، رغم أن كل دول المنطقة، بما فيها إيران، وتركيا، موقعة على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية تقوم بالتفتيش عليها بصورة مستمرة.

وعندما تم تمديد اتفاق معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية إلى ما لا نهاية عام 1995، كان الشرط الأساسى لموافقة دول الشرق الأوسط كلها على هذا المد اللانهائى، أن تدخل إسرائيل فى الاتفاقية وتوقع عليها حتى يتم إخلاء منطقة الشرق الأوسط من كل الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، لكن إسرائيل لم توقع، وأنا سبق أن اقترحت على مؤتمر القمة العربية أن تتخذ جميع الدول العربية قرارا موحدا بالتهديد بتعليق هذه المعاهدة، إلا لو إسرائيل تخلصت من الأسلحة النووية ودخلت فى معاهدة إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية".

ما هو أخطر سيناريو متوقع لهذه الحرب؟

"أخطر سيناريو هو أن تستخدم إسرائيل أو أمريكا قنابل ذرية، وهذا أمر ليس متوقعا لكنه يبقى أحد السيناريوهات لو وجهت إيران ضربات قوية لإسرائيل وفشلت أمريكا فى إيقاف الحرب وتم ضرب الأسطول الأمريكى أو تهورت إيران وبدأت تضرب مناطق أكثر حساسية فى دول الخليج والقواعد العسكرية الأمريكية، قد يتم التفكير فى هذا السيناريو، بالإضافة إلى سيناريو آخر كارثى وهو أن تقوم إسرائيل بضرب مفاعل بوشهر، هى بالفعل ضربت منطقة مفاعل بوشهر حوالى 4 مرات، لكن إذا حدث فى مرة منها أن تم ضرب المفاعل نفسه ستحدث كارثة كبرى".

هل القواعد الدولية الحالية كافية لحماية المنشآت النووية؟

"القواعد الدولية الحالية كافية لحماية المنشآت النووية، والجميع كان يخضع للتفتيش ليس فقط من أجل عدم إنتاج قنبلة ذرية ولكن أيضا من أجل الأمان النووى وضمان عمل المفاعلات والمنشآت بشكل سليم وعدم وجود تسرب إشعاعى، وبرغم هذا لم يصدر منذ يونيو الماضى وبعد ضرب المنشآت النووية قرار واحد لا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا من مجلس الأمن بإدانة أمريكا وإسرائيل لضربها منشآت نووية. مع الأسف القوانين لا تنطبق على الجميع".

هل تحتاج الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى صلاحيات أكثر فى مثل هذه الأزمات؟

"الأمر ليس فى صلاحيات الوكالة، ولكن فى إعادة تشكيل مجلس المحافظين الذى يتحكم فى الوكالة، حيث يتشكل أغلبيته من الدول الغربية، وهو من يصدر قرارات الإدانة، فلم يدن أمريكا او إسرائيل من قبل ويكتفى بإدانة إيران، وسبق أن أدان العراق وكوريا الشمالية وسوريا، وذلك لأنه مع الأسف قراراته مسيسة، وتسيطر عليه أمريكا والغرب.

لكن هذا لا ينفى أن الوكالة لها دور رائع فى الحفاظ على الأمان النووى، ما عدا نظام الضمانات او التفتيش، الذى تدخل فيه عوامل مسيسة، مثلا اتهام العراق بإعادة البرنامج النووى فى 2003 وامتلاك أسلحة دمار شامل وبعدها ثبت أن هذا كله أكاذيب، والآن المدير الجديد للوكالة يصدر تقارير تتضمن اتهامات لإيران، حتى وإن كانت اتهامات غير كاملة لكن يفترض ان تتسم بيانات الوكالة بالحيادية والا تؤثر عليها السياسة".