يُعدّ دفع الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي دون أيّ استراتيجيّةٍ بديلةٍ أحد أخطر الأخطاء الإستراتيجيّة التي ارتكبتها إسرائيل في العقود الأخيرة، هذا ما أكّده داني سيترينوفيتش، الذي خدم لمدة 25 عامًا تقريبًا في شعبة الاستخبارات العسكريّة، وشغل مناصب قيادية متنوعة في وحدات جمع المعلومات والبحث التابعة لها، وهو حاليًا باحث في معهد دراسات الأمن القوميّ، التابع لجامعة تل أبيب.
وتابع في مقالٍ نشره بصحيفة (زمان إسرائيل) العبريّة أنّه “إذا ما شُكّلت لجنة تحقيقٍ جادّةٍ في السياسة الإسرائيليّة تجاه إيران، فسيكون عليها أنْ تبدأ بنقطةٍ واضحةٍ: قرار دفع الولايات المتحدة للانسحاب من الاتفاق النووي، دون خطة، ودون بديل، ودون إدراك للثمن”.
وأوضح: “لم يكن الاتفاق مثاليًا، بل كان بعيدًا كلّ البعد عن ذلك. لكنّه كان ناجحًا. فقد أرجأ البرنامج النوويّ الإيرانيّ سنواتٍ إلى الوراء، وفرض عليه قيودًا غير مسبوقة. والأهم من ذلك، أنّ إيران كانت لها مصلحة في الحفاظ عليه، وأولئك الذين اختاروا تفكيك الاتفاق فعلوا ذلك بناءً على حججٍ واهيةٍ، فالأرشيف النووي، الذي استُخدم لتبرير هذه الخطوة، تناول أنشطة ما قبل عام 2003، وليس انتهاكات الاتفاق نفسه، واستخدام الأرشيف النووي لتفكيك الاتفاق دون تقديم بديل، ليس هذا استراتيجية، بل إهمال”.
وأردف: “الثمن واضح وقابل للقياس. تمتلك إيران حاليًا كميات غير مسبوقة من اليورانيوم المخصب، بما في ذلك مئات الكيلوغرامات بنسبة 60 بالمائة. لم يحدث هذا صدفةً، بل نتيجةً لرفع القيود دون وضع أيّ بدائل. من مستويات التخصيب إلى التطور الكبير في جودة أجهزة الطرد المركزيّ، استغلت إيران كلّ فرصةٍ سانحةٍ، وأصبحت دولةً نوويّةً على الحدود بحكم الأمر الواقع”.
وشدّدّ على أنّه “عندما حاولت إسرائيل والولايات المتحدة إصلاح الوضع بالوسائل العسكرية، كانتا تسعى بالفعل إلى واقعٍ جديدٍ، حتى دون الوصول إلى نسبة 90 بالمائة على نطاقٍ صناعيٍّ، تستطيع إيران إكمال المسار في منشآتٍ صغيرةٍ، باستخدام مواد موجودة بالفعل، لقد تمّ تجاوز الخط التكنولوجيّ”.
وأكّد الباحث أنّه “لتوضيح الخطأ الاستراتيجيّ الذي ارتُكب، يكفي مقارنة وضع البرنامج النوويّ الإيرانيّ اليوم بوضعه في ظلّ الاتفاق النووي لو كان لا يزال ساريًا. بدلاً من حوالي 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمائة، ومئات الكيلوغرامات المخصبة بنسبٍ متفاوتةٍ تصل إلى 20 بالمائة، ومنشآتٍ نوويّةٍ جديدةٍ غير خاضعة للرقابة، وسيطرة متزايدة من عناصر الحرس الثوري، كنا سنكون في وضع تخصيب فيه إيران اليورانيوم بنسبة تصل إلى 3.67 بالمائة فقط، مع مخزونٍ يصل إلى 300 كيلوغرام، في منشأة تخصيبٍ واحدةٍ، وهي نطنز، تحت إشرافٍ دقيقٍ من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع التزامها بالبروتوكول الإضافيّ”.
ولفت إلى أنّه “بمعنى آخر، كان سيتّم إبقاء إيران على بعد عام تقريبًا من الحصول على المواد الانشطارية اللازمة لصنع الأسلحة، بدلاً من بضعة أسابيع كما هو الحال اليوم، لو لم تمدد إيران القيود، لكانت إسرائيل ستكتفي بضرب منشأةٍ واحدةٍ فقط؛ وحتى لو سعت إيران إلى تطوير أسلحةٍ نوويّةٍ، لكان الأمر سيستغرق منها عامًا كاملاً تقريباً للحصول على المواد الانشطارية، بدلاً من بضعة أسابيع كما هو الحال اليوم”.
وأشار إلى أنّه “على الرغم من أنّ النظام في إيران كان ليصبح أكثر استقرارًا، إلّا أنّه يجب التذكير بأنّ العناصر نفسها التي قادت النظام إلى الاتفاق النوويّ، والتي سعت إلى التقارب مع الغرب، مثل الرئيس السابق حسن روحاني، كانت ستعتمد بشكلٍ أكبرٍ على نجاح الاتفاق، ولن تصبح عاجزةً بعد انسحاب الولايات المتحدة”.
وتابع: “من الآن فصاعدًا، لا توجد حلول سهلة، وكلّ مَنْ يتحدث عن إيقاف البرنامج بالقوة يتجاهل الواقع: لإيقاف البرنامج فعليًا، نحتاج إمّا إلى عمليةٍ بريّةٍ غيرُ مسبوقةٍ داخل إيران، أوْ اتفاق مع النظام نفسه الذي سعى الجميع للإطاحة به بشروطٍ مشابهةٍ جدًا للاتفاق النووي لعام 2015. لا يوجد خيار ثالث”.
وتساءل: “ماذا في هذه الأثناء؟ لا توجد رقابة حقيقية، لا توجد ضوابط، ولا يوجد وقت، والنتيجة عبثية استراتيجية: اتفاق حدّ من قدرات إيران تمّ تفكيكه بمبادرةٍ من الغرب، دون أيّ بديلٍ؛ فانطلقت إيران بخطى متسارعةٍ، والآن، تواجه تلك الدول تهديدًا أشد خطورةً، تهديدًا ساهمت هي نفسها، إلى حدٍّ كبيرٍ، في خلقه”.
واختتم الباحث:” إنّ محاولة الولايات المتحدة العودة إلى المسار الدبلوماسيّ ليست مصادفة، بل هي اعترافٌ ضمنيٌّ بعدم وجود حلٍّ عسكريٍّ حاسمٍ للوضع الراهن، وعندما يصبح الحل الدبلوماسيّ شبه مستحيل، ولا تُجدي القوة نفعًا، فلا بد من قول الحقيقة: إنّ المسار الحالي يُقرّب القيادة الإيرانيّة المتطرفة، بقيادة الحرس الثوريّ، من امتلاك القدرة النوويّة العسكريّة، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، حتى دون آية الله علي خامنئي، الذي كان العقبة أمام عبور خط الروبيكون نحو امتلاك القنبلة، وليس ذلك بسبب قوة إيران وحدها، بل بسبب سلسلةٍ من الأخطاء الاستراتيجيّة التي ارتكبتها إسرائيل والولايات المتحدة والتي أوصلتها إلى هذا الوضع”، طبقًا لأقواله.


