يشهد قطاع التعليم في غزة أزمة وجودية غير مسبوقة، لم تعد توصيفاتها تقتصر على “الأضرار الجانبية” للحروب، بل ارتقت لتصبح “إبادة معرفية” مكتملة الأركان. وفي سياق حرب الإبادة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي، ومع مرور أكثر من عامين على الحرب، ما زالت آثارها ماثلة. وجد الغزّيون أنفسهم أمام مشهد تعليمي مشلول، ليس بفعل القصف المدمّر للمباني فحسب، بل بفعل سياسات منهجية تهدف إلى تفكيك الحق في التعلم وتفريغ المجتمع الفلسطيني من رأس ماله البشري والفكري.
أعيش وأشهد قطاع التعليم في غزة يومياً، ليس من منظور قراءة تحليلية بعيدة، بل كتجربة مباشرة مع الأطفال والطلاب الذين يكافحون يومياً وسط حرب إبادة مستمرة. هنا، لا تمثل المدرسة مجرد مبنى، بل أصبحت مساحة نجاة مؤقتة وسط الدمار، وملاذاً يحاول حماية ما تبقى من طفولة تتعرض يومياً للقصف والخوف والنزوح.
أنا نازح في مدينة غزة بعدما دُمّر بيتي، وأسكن اليوم بجوار مدرستين تضررتا جزئياً ويُستخدمان كمراكز إيواء للنازحين. في إحدى خيام النزوح التي نُصبت في ساحات المدرستين، اجتمعت مجموعة من الطلاب حول معلمهم في زاوية ضيقة ومتواضعة، يتشاركون كتاباً مدرسياً واحداً نجا من الركام. لم تكن هناك مقاعد أو سبورة، بل أوراق قليلة وأقلام بالكاد تعمل. كان الجو محمّلاً بالحر والضوضاء من حول الخيمة، بينما يحاول الأطفال التركيز وسط الصخب والفوضى.
مع ذلك، رفع الطلاب أيديهم بحماسة للإجابة عن الأسئلة، وكأنهم يدافعون عن حلمهم قبل أن يدافعوا عن حقهم في التعلم. كانت أعينهم تلمع بالأمل على الرغم من التعب والخوف من أصوات الانفجارات القادمة من شرق المدينة والاستهدافات الجوية اليومية، وأصواتهم المتقطعة تعبّر عن إرادة لا تنكسر. أما المعلم، فعلى الرغم من قسوة الظروف، ظل صامداً، يوجّه كل سؤال وكلمة تشجيع، وكأنه يزرع بذور المعرفة في صحراء الركام.
في هذه اللحظات، يصبح التعليم بالنسبة الى الأطفال الفلسطينيين أكثر من مجرد واجب مدرسي؛ إنه أمل وحياة ومستقبل، وطوق نجاة وسط الخراب. فحتى في ظل الصمت المطبق للخطر المستمر، يصر الأطفال على التعلم، على الحلم، وعلى البقاء، مؤكدين أن المعرفة هي حصنهم الأخير ضد التهجير والنسيان.
التعليم تحت مقصلة التدمير المنهجي
لغة الأرقام في غزة لا تنطق بالخسارة المادية فقط، بل تصرخ بحجم الفقد الإنساني الذي سيترك ندوبه على وجه الأجيال القادمة. الحديث هنا عن الحرمان وما يحمله من معانٍ إنسانية، إذ يُحرم ما يقرب من 660,000 طفل من حقهم الأساسي في التعليم النظامي. وعندما نعلم أن أكثر من 95 في المئة من المنشآت التعليمية قد تضررت أو دُمّرت بالكامل، ندرك أن الجيش الإسرائيلي لا يستهدف الجدران فحسب، بل يستهدف “المستقبل” والأجيال القادمة.
هذا الدمار طاول 285 مدرسة حكومية وثلث مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”. والأدهى من ذلك أن ما تبقى من هذه المدارس تحوّل إلى مراكز إيواء قسرية للنازحين، تفتقر إلى أدنى مقومات الكرامة البشرية. إن تدمير المدارس لا يعني فقط فقدان المباني التعليمية، بل انهيار جزء أساسي من البنية الاجتماعية التي تحمي الأطفال وتمنحهم شعوراً بالاستقرار. فالمدرسة بالنسبة الى الأطفال الفلسطينيين ليست مجرد مكان للتعلم، بل فضاء للحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية وإعادة بناء الإحساس بالأمان.
وعندما تُدمَّر المدارس أو تتحول إلى مراكز إيواء، فإن العملية التعليمية لا تتعطل فحسب، بل تتعرض الطفولة نفسها لضرر فادح.
أما الجامعات، فقد طاولها الدمار بشكل واسع، إذ دُمّر أكثر من 80 في المئة من مباني التعليم العالي، وفُقدت السجلات الأكاديمية، واستشهد المئات من الأكاديميين، وتدمرت المختبرات والمكتبات. ليصبح استهداف الجامعات ذروة الإبادة المعرفية؛ فهي محاولة لتجهيل المجتمع وقطع صلته بالتطور العلمي العالمي، ما يجعل إعادة بناء النخبة الفكرية والمهنية مهمة وطنية مقدسة. فالتعليم عند الفلسطينيين هو قدس الأقداس.
تجربة التعليم الشعبي: استعادة الروح الجمعية ومرجعية الصمود
لفهم عمق التحدي الحالي، يجب ألا ننظر إلى أزمة غزة كحدث معزول، بل كحلقة في سلسلة طويلة من محاولات تدجين الوعي الفلسطيني. وهنا تبرز الأهمية القصوى للعودة إلى “الذاكرة التاريخية للتعليم الشعبي”. فخلال الانتفاضة الأولى (1987–1993)، واجه الفلسطينيون سياسة إغلاق المدارس والجامعات التي انتهجها الاحتلال لكسر الحراك الشعبي. في تلك اللحظة الفارقة، تحوّل التعليم من مجرد عملية تربوية إلى “فعل مقاومة” سيادي.
نشأت مبادرات “التعليم البديل” داخل البيوت والمساجد والكنائس، حيث تشكّلت شبكات تعليمية غير رسمية أدارها المعلمون والطلبة والمجتمع المحلي بتضامن منقطع النظير. أثبتت تلك التجربة أن المجتمع هو الحاضنة الحقيقية للتعليم عندما تنهار المؤسسات الرسمية، وأن الوعي الوطني هو الركيزة التي لا يمكن كسرها.
استحضار هذا النموذج اليوم ليس من قبيل النوستالجيا والحنين إلى مرحلة آنفة فقط، بل هو ضرورة عملية لابتكار حلول تعليمية مرنة تتحدى ركام الحرب، مستندةً إلى إرث طويل من “عناد المعرفة” الذي يميز الإنسان الفلسطيني.
حارس الحلم: المعلم الفلسطيني
لا يمكن الحديث عن استئناف العملية التعليمية في غزة أو التخطيط لليوم التالي من دون الوقوف بإجلال أمام ملف الموظفين والكوادر التربوية؛ هؤلاء الذين لم يكونوا يوماً مجرد أرقام وظيفية، بل كانوا “ذاكرة المؤسسة” النابضة وحراس الحلم الفلسطيني في أحلك الظروف وأقساها.
اليوم، وأمام دعوات التطوير والإصلاح، لسنا في مواجهة مع التجديد، بل نتوق الى رؤية دماء جديدة تتدفق في عروق نظامنا التعليمي. لكننا نؤمن يقيناً بأن التجديد الحقيقي لا يبدأ من “نقطة الصفر”، بل يُبنى فوق مداميك الخبرة التي شيّدتها سواعد المعلمين الأوائل. هؤلاء المعلمون والمعلمات هم الذين رافقوا ملف التعليم منذ اللحظات الأولى لنشوء السلطة الوطنية الفلسطينية، بل وقبلها في سنوات الصمود والإصرار على العلم. هم الذين حوّلوا الغرف الصفية البسيطة إلى قلاع للفكر، وناضلوا بالطبشور والكتاب ليرسموا ملامح الشخصية الوطنية في عقول أجيال تعاقبت تحت وطأة الحصار والحروب.
المعلم الفلسطيني هو الكادر الذي امتلك “الخبرة الميدانية” المعمّدة بالعرق والتضحية؛ فكيف بإمكان أي خطة إعمار أن تتجاوز من أفنى عمره في غرس قيم الانتماء وبناء المنظومة التعليمية لبنةً فوق لبنة؟ دمجهم، وتكريمهم، وتوفير كل سبل الأمان المادي والمعنوي لهم، هو اعتراف بجميل سنوات البذل والجهد، وهو الضمانة الوحيدة لعدم انهيار الهيكل التربوي. المعلم الفلسطيني هو البوصلة، وحماية وجوده واستقراره هي حماية للهوية الفلسطينية ذاتها.
السيادة والوهم… معضلة اللجنة الوطنية لإدارة التعليم
مع بروز نقاشات “اليوم التالي” وتشكيل “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، تبرز أسئلة جوهرية حول حدود الصلاحيات والسيادة الفعلية. يثير ملف إدارة التعليم مخاوف حقيقية؛ فبينما يُفترض أن تتولى اللجنة تنظيم العملية التعليمية، فإن تبعيتها المفترضة لهياكل إدارية دولية، مثل المجلس التنفيذي برئاسة نيكولاي ميلادينوف، تضع استقلاليتها الوطنية على المحك.
التعليم في السياق الفلسطيني لا يمكن أن يُدار بعقلية “الوكالة الفنية” التي تنفذ أجندات المانحين فقط. الخطر الأكبر يكمن في تحويل التعليم إلى ساحة لـ”إعادة تشكيل الوعي” بما يتجاوز المرجعيات الوطنية، تحت مسميات “الإصلاح” التي قد تُفرغ القضية من محتواها التاريخي والنضالي. لذا، يجب أن تكون هذه اللجنة “درعاً وطنياً” يحمي استقلالية المناهج، ويضمن أن تظل العملية التعليمية مرتبطة بالسياق الثقافي والسياسي، مستندةً إلى خبرة الكوادر التي بنت هذه المنظومة منذ منتصف التسعينات وما قبلها.
الأونروا: الشاهد المستهدف بالقتل السياسي
تمثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” أكثر من مجرد جهة تقديم خدمات؛ إنها الشاهد الدولي الحي على مأساة اللجوء، وهي تدير جهازاً تعليمياً ضخماً يضم آلاف المعلمين الذين يمتلكون خبرة استثنائية في إدارة الأزمات.
الحملة الإسرائيلية المحمومة لتفكيك الأونروا هي، في جوهرها، محاولة لشطب حق العودة وتدمير البنية التحتية التعليمية التي شكّلت صمام أمان لمئات الآلاف. حماية دور الأونروا، بالتكامل مع الدور الحكومي، ضرورة وطنية قصوى لضمان عدم حدوث فجوة تعليمية تؤدي إلى ضياع جيل كامل في غياهب الجهل والفقر.
المصلحة الفضلى للطفل
الحديث عن “تغيير المناهج” كشرط لإعادة الإعمار أو لتلقي التمويل الدولي، يثير قلقاً كبيراً، لأن المناهج التعليمية هي الحصن الأخير للهوية الوطنية. أي محاولة للعبث بالذاكرة التاريخية أو شطب مفاهيم الصمود هي استكمال للحرب بأدوات ناعمة تستهدف عقل الطفل بعدما استهدفت جسده.
يشكل مبدأ المصلحة الفضلى للطفل أساساً لحماية الأطفال الفلسطينيين في ظل حرب الإبادة. لا يعني ذلك مجرد حق الجلوس على مقعد دراسي، بل يتطلب بيئة آمنة ومستقرة تساعد الطفل على النمو والتعلم واستعادة طفولته المسروقة. يجب أن يكون التعليم مصحوباً بدعم نفسي واجتماعي حقيقي، ليتمكن الأطفال من التعامل مع الصدمات، واستعادة الإحساس بالأمان والانتماء، واستمرار حياتهم الطبيعية على الرغم من الفقد والنزوح. فالمدرسة، حتى لو كانت خيمة أو غرفة مؤقتة، يجب أن تصبح مساحة للحماية وبناء الثقة بالحياة.
طريق العودة الى المقعد الدراسي
لخروج قطاع التعليم من هذه الكارثة، لا بد من تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على اعتبار التعليم أولوية سيادية: اعتبار الكتاب والسبورة أدوات إغاثية طارئة توازي في أهميتها الدواء والغذاء، وتمكين اللجنة الوطنية عبر توفير دعم سياسي واضح يضمن استقلاليتها وقدرتها على اتخاذ قرارات وطنية بامتياز.
الأهم حماية المنشآت والكوادر: الضغط الدولي لوقف استهداف ما تبقى من المدارس، واعتبار المعلم “محمياً” بموجب القوانين الدولية ككادر إنساني. كما يمكن تبني نماذج التعليم المرن عبر تطوير مدارس مؤقتة (خيام وكرفانات) في أماكن النزوح، مع توفير برامج “تعلم معجّل” لتعويض الفاقد التعليمي الهائل.
وبالتوازي، لا بد من استقرار المعلم، أي ضمان الحقوق المالية والوظيفية لجميع المعلمين الذين بذلوا سنوات عمرهم في خدمة هذه المنظومة، وتوفير الأمان النفسي لهم ليكونوا قادرين على العطاء.
لا مجرد حلم… وإنما تأسيس للمستقبل
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد أزمة تعليمية عابرة، بل هو اختبار لإرادة جيل كامل وقدرته على البقاء والتميّز على الرغم من محاولات السحق. فالطفل النازح الذي يقرأ ويحل واجبه المدرسي، ويبحث عن مكان في زاوية ضيقة معتمة في الخيمة، وبجانبه معلم ضمّد جراحه ليعطيه درساً في الإرادة، يرسل رسالة الى العالم بأن “الحق في الوعي هو جوهر الصراع وشرط الانتصار”.
التعليم في غزة لا يمكن اختزاله في كونه حقاً أساسياً فقط؛ فهو حياة يومية تحاول أن تستمر على الرغم من الدمار، وحلم بمستقبل مختلف، وأداة للبقاء والأمل في واقع يهدد كل شيء. بالنسبة الى الفلسطينيين، التعليم هو طوق نجاة يحمي المجتمع من الانكسار، ومن بين الركام خرجت أجيال تحمل قضيتها إلى العالم.
معركة إعادة إعمار التعليم في غزة ليست مجرد إعادة بناء مدارس، بل هي معركة لحماية الوعي الفلسطيني والمستقبل. فإذا نجحنا في حماية عقول أطفالنا وصون كرامة معلمينا الذين بنوا هذه المنظومة بعرقهم وصبرهم عبر عقود طويلة، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لمستقبل غزة.
التعليم في غزة سيبقى فعل صمود وفعل تحرر في آن واحد، ومسؤوليتنا التاريخية هي أن نحمي هذا النور من الانطفاء، وأن نضمن أن يبقى الكتاب مفتوحاً في يد الطفل الفلسطيني حتى في أكثر اللحظات ظلاماً.


