مع دخول الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثاني، بدأت في إسرائيل تظهر محاولات واضحة لتقديم حصيلة أولية لما تحقق حتى الآن. فبعد أسابيع من الضربات الجوية المكثفة والعمليات العسكرية المتواصلة، تتحدث الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل عن “إنجازات مهمة”، لكنها في الوقت ذاته تعترف بأن الحكم الحقيقي على نتائج الحرب لا يزال مبكراً، وأن كثيراً من الأسئلة الاستراتيجية ما زالت مفتوحة.
في هذا السياق، نقلت تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية تقديرات تفيد بأن القيادة الإيرانية تواجه صعوبات في التنسيق واتخاذ القرارات، نتيجة الضربات التي استهدفت منشآت عسكرية وصناعية وبنى تحتية أمنية. ووفق ما أوردته تقارير في الصحافة الأميركية، فإن الضربات الواسعة أدت إلى إرباك في مراكز القيادة الإيرانية وإلى تعطيل جزء من قدراتها العسكرية.
وفي واشنطن، أوضحت الإدارة الأميركية أن أهداف الحرب محددة بوضوح، وتشمل تدمير جزء كبير من الأسطول الإيراني، وضرب برنامج الصواريخ الباليستية، وتفكيك البنية الصناعية العسكرية التي تنتج الأسلحة، إضافة إلى الهدف المركزي المعلن وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
أما قضية مضيق هرمز، التي تعد أحد أهم مفاتيح الصراع في المنطقة، فلا تزال حتى الآن مسألة معلّقة. فإعادة فتح المضيق بشكل كامل هدف تعمل عليه الإدارة الأميركية، لكنه لا يشكل الشرط الوحيد لإنهاء العمليات العسكرية.
إنجازات تكتيكية لا ترقى إلى الحسم
في إسرائيل نفسها، يقر عدد من المحللين العسكريين بأن ما تحقق حتى الآن يقع في إطار الإنجازات التكتيكية أكثر من كونه تحولًا استراتيجيًا حاسمًا.
وتشير تقديرات قريبة من الحكومة الإسرائيلية إلى أن الضربات العسكرية حققت عدة نتائج، أبرزها إلحاق ضرر واسع بالبنية العسكرية التقليدية الإيرانية، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والصناعات العسكرية ومصانع إنتاج الصواريخ الباليستية، إضافة إلى استهداف بعض مراكز القيادة والأجهزة الأمنية.
كما ينظر في إسرائيل إلى التعاون العسكري الوثيق مع الولايات المتحدة خلال هذه الحرب بوصفه تطوراً غير مسبوق في مستوى التنسيق الاستراتيجي بين البلدين.
لكن في المقابل، تعترف بعض التحليلات الإسرائيلية بأن إيران حققت بدورها مجموعة من المكاسب المهمة، على رأسها بقاء النظام السياسي في طهران واستمرار قدرته على إدارة الحرب، إلى جانب الحفاظ على قدرة إطلاق الصواريخ، ولو بوتيرة محدودة نسبياً.
كما نجحت إيران في استخدام ورقة مضيق هرمز لتعزيز موقعها التفاوضي، في وقت تواصل فيه قوى حليفة لها في المنطقة نشاطها العسكري، سواء في لبنان أو العراق أو اليمن.
ويضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة لم تتمكن حتى الآن من تشكيل تحالف دولي واسع على غرار التحالفات التي قادتها في حروب سابقة مثل حرب الخليج عام 1991 أو حرب العراق عام 2003.
الجبهة اللبنانية: حرب بلا رؤية سياسية
إلى جانب المواجهة المباشرة مع إيران، تشكل الجبهة اللبنانية أحد أكثر التحديات تعقيداً بالنسبة لإسرائيل.
فالمواجهة المستمرة مع حزب الله منذ عدة أسابيع، وما يرافقها من إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه شمال إسرائيل، تثير قلقاً متزايداً داخل إسرائيل نفسها. وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن هذه الجبهة لا تبدو قريبة من الحسم العسكري.
وبحسب تقديرات عسكرية إسرائيلية، فإن الخطة العملياتية تقوم على التقدم حتى نهر الليطاني وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب لبنان، وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة “الحزام الأمني” التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
غير أن هذه التجربة التاريخية تثير مخاوف من احتمال تحول الجنوب اللبناني مرة أخرى إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد، خصوصًا في ظل غياب رؤية سياسية واضحة لما يسمى “اليوم التالي” للحرب.
حرب مفتوحة على احتمالات متعددة
في الميدان، تتواصل الضربات الجوية داخل إيران بوتيرة مرتفعة، مع استهداف منشآت عسكرية ومراكز أبحاث ومواقع دفاع جوي، إضافة إلى البنية الصناعية المرتبطة بإنتاج الطائرات المسيرة والصواريخ.
في المقابل، تواصل إيران إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل بوتيرة منخفضة نسبياً، ما يشير إلى محاولة الحفاظ على قدرة ردع ممتدة زمنياً.
ومع اقتراب الموعد الذي حدده الرئيس الأميركي دونالد ترامب لطهران لقبول شروط واشنطن لإنهاء الحرب، تتزايد التوقعات بإمكانية حدوث تصعيد جديد، أو على العكس التوصل إلى اتفاق يضع حدًا للعمليات العسكرية.
لكن الخلاصة التي تتكرر في كثير من التحليلات الإسرائيلية هي أن ما تحقق حتى الآن، رغم أهميته العسكرية، لا يشكل حسماً استراتيجياً بعد، وأن نتائج هذه الحرب ستظل مرتبطة بتطوراتها في الأسابيع المقبلة وبالقدرة على ترجمة الإنجازات العسكرية إلى نتائج سياسية طويلة المدى.


