الحرب التي وضعت العالم على حافة الإنفجار الكبير .. جمال خالد الفاضي

الإثنين 30 مارس 2026 10:22 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الحرب التي وضعت العالم على حافة الإنفجار الكبير .. جمال خالد الفاضي



ليست الحروب الكبرى تلك التي تُعلن فجأة، بل تلك التي تتسلل بهدوء، كفكرةٍ تتكوّن ببطء في عقل التاريخ. قبل أن تندلع، تكون قد بدأت بالفعل: في لغة التصريحات، في توتر الأسواق، في ارتباك التحالفات، وفي ذلك القلق غير المعلن الذي يسكن العواصم. لن يقول أحد إننا أمام حرب عالمية، لكن الجميع يتصرف وكأن شيئًا كبيرًا يُعاد تشكيله. في هذا المشهد، لا يبدو الشرق الأوسط مجرد مسرحٍ للصراع، بل أشبه بمرآة تعكس توتر العالم كله.

ففي هذه المنطقة، نعيش معادلة استثنائية، تضيق الجغرافيا وتتسع الحسابات. الأحداث هنا تُقاس بأصدائها أكثر مما تُقاس بحجمها الحقيقي. فالحرب ضد إيران ليست حرب محلية، ولا يمكن الجزمببقائها هكذا. فإيران ليست مجرد دولة داخل حدود مغلقة، بل فكرة ممتدة في الجغرافيا والسياسة والتحالفات. وفي المقابل، لا تنظر الولايات المتحدة إلى المنطقة كملفٍ عابر، بل كجزء من تعريفها لنفسها كقوة لا تقبل التراجع.

وهنا تبدأ المعضلة: قوتان لا تقبلان الهزيمة… قوة مهيمنة عالمياً، وقوة إقليمية مؤدلجة ترى بالهزيمة تهديداً لوجودها، ومنطقة لا تحتمل الانتصار الكامل لأي طرف. وبين هذا وذاك، تتكاثر الأسئلة أكثر من الإجابات. وفي لحظات التوتر الكبرى، لا تكون الطاقة مجرد سلعة، بل تصبح لغةً من لغات القوة. مضيقٌ واحد، ممرٌ ضيق في الخريطة، يمكن أن يغيّر إيقاع العالم كله. سفن تعبر، وأسواق تترقب، وعواصم تحسب احتمالات لا تُقال. وحين يصبح النفط أكثر من مجرد وقود، وحين يتحول الغاز إلى قرار سياسي، ندرك أن الحرب، لن تكون بين جيوش فقط... بل بين أنماط حياة كاملة.

في السياسة، الخوف لا يعني التراجع دائمًا. أحيانًا، يدفع الجميع إلى الأمام. كل طرف يعتقد أنه يدافع عن نفسه، وكل خطوة تُفسَّر لدى الآخر كتهديد. وهكذا، تتحول النوايا الدفاعية إلى مسارات تصعيدية، دون أن يقصد أحد ولو نظريًا الوصول إلى الحرب. لكن التاريخ لا يسأل عن النوايا… بل عن النتائج. هكذا بدأت حروب كبرى من قبل: ليس لأن الجميع أرادها، بل لأن أحدًا لم يستطع إيقافها في الوقت المناسب.

التاريخ لا يُعاد.. لكنه يتشابه في بعض محطاته. قبل الحرب العالمية الأولى، كان العالم يعتقد أن التشابك الاقتصادي سيمنع الحرب. وقبل الثانية، ظن أن الأزمات يمكن احتواؤها. في الحالتين، كان هناك قدر من الثقة الزائدة… وقدر أكبر من سوء التقدير.

اليوم، يبدو العالم أكثر وعيًا، لكنه أيضًا أكثر تعقيدًا. قوى متعددة، مصالح متشابكة، وأزمات مفتوحة على أكثر من احتمال. الفرق ليس في غياب الخطر… بل في شكله. ربما لن نشهد حربًا عالمية بالشكل الذي عرفه القرن العشرون. لا جبهتين واضحتين، ولا إعلانًا رسميًا، ولا بداية يمكن تأريخها بدقة. لكن ما يتشكل أمامنا قد يكون شيئًا آخر: حروب مترابطة، أزمات متداخلة، صراعات تتحرك في أكثر من مكان، لكنها تنتمي إلى قصة واحدة. عالمٌ لا يحترق دفعة واحدة… بل يشتعل على أطرافه تدريجيًا.

لسنا، على الأرجح، أمام حرب عالمية ثالثة بالمعنى التقليدي. لكننا، دون شك، نقف في منطقة رمادية، حيث يصبح السلام هشًا، والتوازن مؤقتًا، والتقديرات قابلة للخطأ. الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار بالحرب، بل في تراكم قرارات صغيرة، كل منها يبدو عقلانيًا في لحظته، لكنه مع غيره يصنع مسارًا لا يمكن التراجع عنه بسهولة. وفي هذا العالم، لم يعد السؤال: هل ستندلع حرب عالمية؟بل: هل ما زال أحد يمتلك القدرة على منع سلسلة الأزمات من أن تتحول إلى حرب عالمية… لا يريدها أحد، لكنها قد تحدث.