من ادّعاء النصر إلى استجداء التفاوض: مأزق الحرب على إيران ..محمد ياغي

الجمعة 27 مارس 2026 08:40 ص / بتوقيت القدس +2GMT



لا يَمل الرئيس الأميركي ترامب وشريكه الإسرائيلي نتنياهو عن الادعاء بأنهما حققا انتصاراً ماحقاً في إيران. 
فقد دمرا برنامج إيران النووي، ومصانع ومخزون صواريخها وقاذفاتها، وأسطولها البحري، وطائراتها، وأنظمة دفاعاتها الجوية، وأن طيرانهما الحربي يتجول بحرية في كل إيران من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها. 
والأهم من بين كل هذه الانتصارات أنهما أعدما القيادة الإيرانية بمستواها الأول والثاني وحتى الثالث. 
لا يمكن تعداد انتصاراتهما فهي أكثر من أن تحصى، ولا يمكن متابعة تصريحاتهما ومؤتمراتهما الصحافية فهي أكثر مما يسمح لمتفرغ سياسي متابعتها. 
لكن السؤال البديهي هو إذا كانا قد انتصرا في الحرب، لماذا يطلبان هُما المفاوضات بدلاً من إيران؟
بعيداً عن الانتصارات التي تكذبها الوقائع اليومية من سقوط يومي للصواريخ في إسرائيل، إلى الهجمات الإيرانية اليومية الكثيفة على القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة العربية بأكملها، وعن واقع أن مائة ألف جندي إسرائيلي قد تم حشدهم لاحتلال جنوب لبنان، لا يستطيع جيش الاحتلال بعد 25 يوماً على بدء الحرب الاستقرار في قرية واحدة جنوبية، فإن الواقع يقول إن أميركا وشريكتها إسرائيل قد دخلتا في مأزق لا تستطيعان الخروج منه.
قبل أن نوضح ذلك، دعونا نُذكِر بأن الحرب على إيران هي خارج القانون الدولي، واغتيال قادتها جرائم حرب في القانون الدولي، يحاكم ويسجن منفذوها في عالم لديه القليل من الاحترام لهذا القانون. 
ويجب التذكير أيضاً، بأن هذه حرب نتنياهو وترامب، ولا أحد يقف معهما في العالم كله مُؤيداً أو مناصراً لهما، وأن صمت الغرب وعدم إدانته للحرب يندرج، كما دائماً، في إطار ازدواجية المعايير التي يتعامل بها مع العالم الإسلامي ككل.
نعم ترامب وشريكه نتنياهو دخلا الآن في مأزق سياسي لا يستطيعان الخروج منه، وعلامات هذا المأزق واضحة وهي استجداء ترامب لإيران للتفاوض لإعطائه حبل النجاة لوقف الحرب وإعلان الانتصار، وجميعنا سمع وشاهد ادعاءاته الكاذبة بأن إيران تتفاوض معه، بينما الحقيقة أنها أرسلت له شروطها لوقف الحرب من دفع التعويضات إلى الإقرار بسيطرتها على مضيق هرمز، والتي كما يبدو هدفها السخرية منه ومن الشروط التي أرسلها لها للتفاوض.
لقد بدأت الحرب وفي ذهن نتنياهو، الذي يقف خلف الحرب، والرجل الذي أقنع وورط ترامب بها، أن القضاء على القيادة الإيرانية سيفتح الطريق خلال أيام لتغيير النظام. 
وعندما توسلوا للشعب الإيراني بالخروج وإنجاز المهمة، خرج الوطنيون الإيرانيون معارضة وموالاة لدعم النظام. 
وعندما أدركوا أن تغيير النظام مُستحيل، حولوا أهدافهم لتدمير قدرات إيران الصاروخية والعسكرية آملين أن ذلك سيدفع إيران للتفاوض معهم وقبول شروطهم. 
وعندما فشلوا، بدؤوا بتدمير بنى الدولة التحتية من مصانع وجامعات، وهددوا مؤخراً بتدمير بنى الطاقة في إيران. 
لكن سيطرة إيران على مضيق هرمز، وقدرتها على تدمير بنى الطاقة في كامل المنطقة، دفعهم للتوقف قليلاً. 
هؤلاء الأغبياء لا يدركون حقيقتين:
الأولى: أن قبول إيران بالتفاوض سابقاً كان بهدف منع الحرب، أما وقد حصلت، فما قيمة التفاوض وعلى ماذا تفاوض. 
لقد وقعت الحرب التي كانت تسعى إيران لتجنبها، ولقد تم تدمير قسم كبير من بناها التحتية، وبالتالي لا يوجد لديها حافز للتفاوض معهم، وهدفها الوحيد الآن هو استدراجهم لحرب استنزاف طويلة يدفعوا هم ثمنها اقتصادياً وسياسياً، بحيث تصبح هذه الحرب آخر حروبهم عليها لكلفتها العالية عليهم.
والثانية: إن إيران لم تقبل يوماً ما التفاوض على برنامجها الصاروخي وعلى سياساتها الخارجية، وما يجري الآن يؤكد لها صحة قرارها. 
تخيلوا لو أنها لم تمتلك هذه القدرات الصاروخية للدفاع عن نفسها أو لو أنها بلا حلفاء إقليميين، ربما كانوا سيرسلون دباباتهم إلى قلب طهران وفي إحداها ربما «المُرشد» الذي يرغبون بالعمل معه.
إيران تُدرك عوامل قوتها وهي باختصار سيطرتها على مضيق هرمز وبالتالي التحكم في مرور ما يزيد على 20٪ من البترول العالمي، 25٪ بالمائة من الغاز المسال وربما 30٪ من الأسمدة. وهذا يجعلها تتحكم في جزء مهم من الاقتصاد العالمي. 
إن الادعاء بإمكانية قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على مضيق هرمز هو ادعاء حقيقي، لكنه يحتاج إلى الكثير من الوقت والى الاستعداد لتحمل الكلفة البشرية العالية لذلك، وهي تكاليف لا يجرؤ ترامب على دفعها وهو يتوسل غيره القيام بهذه المهمة من أوروبا إلى الصين. 
وعوامل قوة إيران تكمن في أن قسماً كبيراً من شعبها مع النظام وعلى استعداد للدفاع عن بلده مهما كانت التكاليف. 
البلد كبير مساحة (أكبر من العراق أربع مرات) وعدد سكانه تسعون مليوناً، وحصة النظام في هذا العدد تُخبرنا عنها الانتخابات السابقة وهي لا تقل عن 40٪ ممن يحق لهم الانتخاب. 
بالإضافة لذلك، إيران جهزت لهذه الحرب على مدى عقدين من الزمان لقناعتها بأنها قد تحدث خصوصاً بعد أن شاهدت احتلال العراق وكيفية قيام الولايات المتحدة بتدميره العام 2003، وبعد أن أعلن عنها بوش الابن بأنها جزء من محور الشر الذي ينوي القضاء عليه.
وقوة إيران في حلفائها، وهو ما نشاهده في لبنان والعراق وفي اليمن حيث ينتظرون دخول الحرب وإغلاق باب المندب أيضاً إن اشتدت الحرب أكثر.
لمن لا يعرف كيف تفكر إيران، علينا تذكيرهم بأن الرئيس صدام حسين قد رغب بوقف الحرب عليها بعد سنتين على بدئه بها، لكن إيران رفضت الوساطات التي كان يرسلها لوقف الحرب، واستمرت في القتال ست سنوات أخرى. 
اليوم تخوض إيران حرباً مصيرية مع أميركا وهي بين خيارين: الصمود والقتال إلى أن تكسر المُعتدين أو الاستسلام لشروطهم. لا يوجد خيار ثالث لديها لأن الهدنة بالنسبة لها هي استراحة لهم للعودة لقتالها. 
الصمود والقتال يَستنزفهم وقد يدفعهم للقبول بالحد الأدنى مما تريده وهو رفع العقوبات الاقتصادية، الاعتراف بها كقوة إقليمية، عدم طرح سلاحها الصاروخي وسياساتها الإقليمية للتفاوض، احترام وقف إطلاق النار على جبهات حلفائها، تعويضها، والعودة للاتفاق النووي الذي تم توقيعه معها سابقاً.
الاستسلام بالنسبة لها يعني القبول بالذل، وسيطرة أميركا على مقدراتها، والقبول بنهاية نظامها، وهذا ليس في وارد نظام عقائدي يُؤمن بما يقول عن الحق والمستضعفين وضرورة محاربة الاستكبار العالمي.
بالطبع بإمكان أميركا وقف الحرب من جهتها وإعلان النصر للمرة الألف كما يفعل ترامب يومياً، دون اتفاق. 
ويمكنها أن تطلب من إسرائيل أيضاً القيام بذلك، لكن ذلك لن يمنع إيران من الاستمرار بالحرب، لأن وقفها دون اتفاق مثلما حدث سابقاً لن يمنع تكرارها، وهو ما أعلنته في بداية الحرب: أنتم من بدأها ونحن من سينهيها. 
والاهم من ذلك، أن وقف الحرب دون اتفاق يعني أن إيران ستبقى تعاني من تبعاتها في ظل العقوبات الاقتصادية عليها. وبالتالي فإن خيار إيران الوحيد هو الاستمرار في الحرب وفرض شروطها أو الحد الأدنى منها مُتسلحة بعوامل القوة التي تمتلكها وبالرغبة في خوض حرب استنزاف طويلة تُغير واقع الشرق الأوسط.  
لقد وصل غرور القوة بحاكم البيت الأبيض وشريكه نتنياهو إلى حد الرغبة بتعيين المرشد الروحي لإيران، وقالوا لا تختاروا «مُجتبى» فهذا الرجل لا يناسبنا. 
أما اليوم، فَهم يَتسولون التفاوض معه. هذه إيران وليست فنزويلا.