نظرية الفاعل السياسي المجنون..! حسن خضر

الثلاثاء 24 مارس 2026 12:29 م / بتوقيت القدس +2GMT
نظرية الفاعل السياسي المجنون..! حسن خضر



قلنا في معرض تشخيص الحرب الإسرائيلية ـ الأميركية على إيران: إن هدفها الرئيس هو إسقاط النظام. لم يعد هذا الهدف على رأس القائمة، بعدما اتضح مع دخول الحرب أسبوعها الرابع، أن النظام في طهران جوزة عصية على الكسر، لا من حيث قدرته على امتصاص صدمة الضربات الافتتاحية وحسب، ولكن من حيث قدرته على رد الصاع وإلحاق الأذى أيضاً. 
في هذا المعنى ما يوفر مدخلاً إضافياً في مسعى إغناء الكلام عن الحرب بدلاً من الوقوع في غواية التعميمات والتبسيطات السائدة. ففي مجرد وضع إسقاط النظام على جدول الأعمال في حرب ما، ما يُرغم النظام المُستهدف على القتال بكل ما لديه من أدوات القوّة، وإرادة البقاء. 
وإذا كان في كليهما ما يجعل من «عليَّ وعلى أعدائي» سلاحاً في معادلة الردع، وسياسة واقعية تماماً في الميدان، فإن في الحالتين ما يبرر، أيضاً، استدعاء نظرية «الفاعل المجنون» The madman theory المتداولة في علوم السياسة، بوصفها إطاراً مرجعياً لتحليل سلوك الفاعلين.
لسنا، هنا، بصدد الاستطراد في تفسير النظرية، وما لها من تمثيلات، ونكتفي بالقول: إنها تعني تصرّف الفاعل السياسي، أو العسكري، أو الاقتصادي (والحرب تجمع كل هؤلاء في واحد) بطريقة يصعب التنبؤ بها، لا عقلانية، تدل على مجازفات عالية، واستهانة بالعواقب.
وعلى الرغم من إمكانية العثور على تمثيلات لا حصر لها في تاريخ الحركات الخلاصية، وفي التاريخ القريب لهجوم السابع من أكتوبر 2023، مثلاً، إلا أن سلوك الفاعلين الأساسيين على رأس دول فاعلة في تفكيك وتركيب الشرق الأوسط، والعالم، لا يبخل بتمثيلات إضافية، ومن هؤلاء بنيامين نتنياهو، ودونالد ترامب، وحكّام طهران. وإذا أضفنا سلوك الفاعلين الثانويين، في المنطقة، سنجد أنفسنا إزاء قائمة طويلة فعلاً.
سبق وتكلمنا عن نتنياهو، وسيكون لدينا المزيد في وقت لاحق. ولا يعنينا من ترامب، في الوقت الحاضر، سوى كونه وسيلة إيضاح مثالية (وهزلية بطريقة غير متوقعة) لهذه النظرية، تصرفاته غير عقلانية، يصعب التنبؤ بها، وتنطوي على مجازفات كثيرة. لكل هذه الأشياء، معطوفة عمّا لدى الولايات المتحدة من قوّة نيران، دلالات هائلة في ميزان الردع، ولكن اللاعقلانية تفقد قيمتها في ميزان الردع إذا كانت الحرب من الطراز الترامبي، لا من حيث قصر النفس، وضبابية الأهداف وحسب، ولكن لأنها ليست من حروب الإمبراطورية، أيضاً. 
نكتفي، في هذا الصدد، بحالة تمثيلية واحدة يتجلى فيها ما للحرب من تأثير مباشر على حاضر ومستقبل حلفاء تقليديين وتاريخيين للولايات المتحدة في شبه الجزيرة العربية والخليج، وكذلك ما لها من تأثير على حاضر ومستقبل مصادر الطاقة في هذا الجزء من العالم أيضاً. وهذا، في الحالتين، وثيق الصلة بحاضر ومستقبل الإمبراطورية الأميركية نفسها. 
قال ترامب (مع وجود كل هذا العدد من البيض في سلة واحدة): إنه لم يتوقع تعرّض الإبراهيميين لهجمات إيرانية، ولم يتوقع إغلاق الإيرانيين لمضيق هرمز. ولا فائدة، على أي حال، لإثبات أنه يكذب، أو أن اللاعقلانية شيء والهبل شيء آخر، كل ما في الأمر أن الخلاصة المنطقية للأمر في الحالتين هي:
إما بحثه عن سبب لتبرير الفشل في حماية حلفاء تقليديين وتاريخيين، أو كشفه (بزلّة لسان) لحقيقة أن أمن وسلامة هؤلاء ليست على رأس اهتماماته مقارنة بإسرائيل، فبطاريات الصواريخ الاعتراضية التي سحبها الأميركيون من كوريا الجنوبية، ومناطق أُخرى، لم تذهب للدفاع عن هؤلاء بل ذهبت للدفاع عن إسرائيل.
والأسوأ من هذا كله أن الهجمات الإيرانية كشفت هشاشة الإجراءات الدفاعية الأميركية لا عن هؤلاء وحسب، ولكن عن القواعد الأميركية في بلادهم، أيضاً، وهي الهدف الرئيس للهجمات المعنية. يمكن، مرّة أُخرى، الاستعانة بالحالة نفسها، للتدليل على الكذب (يستحيل ألا يكون العسكريون الأميركيون قد وضعوا هذا الأمر في الاعتبار) ويكفي، هنا، وهذا هو الأهم، التدليل على الفرق بين التمثيلات الترامبية الهزلية لنظرية القائد المجنون، وتمثيلاتها الأكثر رزانة، وإن لم تكن أقل منها مأساوية.
مهما يكن من أمر، ما يعنينا في موضوع الحرب التي رد فيها الإيرانيون على لا عقلانية المهاجمين بلا عقلانية المدافعين، أن مستقبل القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، وبصرف النظر عن النتيجة المباشرة للحرب، صار على الطاولة، وكذلك مستقبل الإمبراطورية الأميركية، التي يشاء حظها العاثر أن يتربع على سدة الحكم فيها، في لحظة مأزومة من تاريخها، شخص بكفاءة ومؤهلات دونالد ترامب العقلية والسياسية والأخلاقية.
سنفسر في معالجات لاحقة لماذا ارتبط صعود الإمبراطورية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، وهيمنة الدولار على نظام التعاملات المالية في العالم، بمصادر الطاقة في الشرق الأوسط، وعلاقتها بحلفاء تقليديين وتاريخيين في العالم العربي.
كل ما يستدعي التفكير الآن أن سياسة «عليَّ وعلى أعدائي»، التي يستخدمها الإيرانيون كسلاح من أسلحة الردع، تُعيد التذكير بضرورة استدعاء مفهوم الجغرافيا السياسية في كل محاولة لتشخيص الصراعات الإقليمية والدولية، وقضايا الحرب والسلام، في الشرق الأوسط. يصعب، في كل عملية كهذه تجاهل الدولة الإيرانية بوصفها قوّة إقليمية صاعدة، وذات امتدادات ومصالح يصعب التغاضي عنها، سواء للقضاء عليها، أو الاعتراف بها، والتفاوض معها، في النطاقَين القريب والبعيد. فاصل ونواصل.