لماذا ستخسر أميركا حربها على إيران ? علي الجرباوي

الثلاثاء 17 مارس 2026 01:34 م / بتوقيت القدس +2GMT
لماذا ستخسر أميركا حربها على إيران ? علي الجرباوي



يعتقد البعض أن تحقيق النصر في الحرب يعتمد بالأساس على مقدار ما تمتلكه الدولة من قوة عسكرية، ما يعني أن المتوقع أن الحرب بين طرفين غير متكافئي القوة العسكرية تُحسم دائماً لصالح الطرف الأقوى. ومع أن لهذا الاعتقاد ما يبرره، إذ إن القوة العسكرية قد تمنح الطرف الذي يتفوّق بها أفضلية عند نشوب الحرب، كونها تمنحه قدرة تدميرية عالية قادرة على إلحاق الضرر بالخصم، إلا أنها لا تكفي لتكون العامل الوحيد المُقرّر لتحقيق النصر فيها. فالمهم ليس بدء الحرب، أو امتلاك أفضلية عند انطلاقها، بل في امتلاك القدرة عل توجيه مساراتها بما يمكّن من التحكّم بمآلاتها. وفي توجيه مسارات الحروب، فإن العامل الآخر إلى جانب القدرة العسكرية، وقد يكون الأهم في التحكم بنتائجها، يتمثّل بتفاوت قدرة الأطراف المتحاربة على تحمّل تكاليفها، ليس فقط المادية، بل والمعنوية أيضا. فمن يئن من الأطراف المتحاربة أولاً، بصرف النظر عن حجم ومدى قوته العسكرية، يخسر، وقد تكون الخسارة من نصيب الطرف الأقوى للطرف أضعف في ميزان القوة العسكرية.

لو صحّ الاعتقاد بأن مؤشر القوة العسكرية هو معيار موثوق لتحديد الطرف المنتصر بالحرب، لكانت نتيجة الحروب مضمونة ومعروفة سلفاً، ولما قامت الحروب أصلاً. فالطرف الأضعف عسكرياً يجب – وفقاً لهذا الافتراض - أن يستخلص العبرة سلفاً ويستسلم، كي يُجنّب نفسه التعرّض للتدمير الذي سيلحقه الطرف الأقوى به. ولكن هذا الاعتقاد يفشل في تفسير هزيمة فرنسا المريرة في حربها في الهند الصينية، أو في سعيها لقمع الثورة الجزائرية، ولماذا تلقى الاتحاد السوفياتي هزيمة موجعة في أفغانستان. ولماذا انهزمت الولايات المتحدة، وهي صاحبة أكبر قوة عسكرية في العالم، شر هزيمة في حروبها المتتالية من كوريا إلى فيتنام وأفغانستان، وحتى العراق. فالمهم في الحروب ليس في قدرة طرف على استخدام تفوقه العسكري لإلحاق ضرر بالغ في الطرف الآخر (كتدمير بُناه ومرافقه المختلفة)، وإنما على استخلاص نتيجة سياسية مواتية له عندما تضع الحرب أوزارها. باختصار، في الحروب يُوظَّف إلحاق الضرر كوسيلة لاستخلاص غاية (كما حصل في الحربين العالميتين بين قوى كانت متكافئة القوة العسكرية)، وإن تحوّل بذاته إلى غاية تستهدف العقاب، فقد يفشل فشلاً ذريعاً (كما حصل في حالة الحروب الأميركية على فيتنام وأفغانستان والعراق بين قوى غير متكافئة عسكرياً).
يقودنا عدم الركون إلى صحة الاعتقاد بمؤشر التفوق العسكري على حسم الحروب لصالح الأطراف الأقوى على الأطراف الأضعف عسكرياً، إلى طرح افتراض من نوع آخر قد يبدو للوهلة الأولى غريباً ومنافياً للتوقع البديهي، وهو أن قدرة الأطراف الأكثر تنعُّماً داخلياً (من ناحيتي الازدهار الاقتصادي وانفتاح المشاركة السياسية) على تحمّل تكاليف الحرب، تبقى أقل من قدرة الأطراف الأقل تنعُّماً بهاتين السمتين. فالتوقع البديهي يقوم على أن الدول المزدهرة اقتصادياً، والديمقراطية سياسياً، تكون أكثر حيوية وقدرة من الدول الضعيفة اقتصادياً، وذات النظم السلطوية سياسياً، على تحمّل تكاليف الحرب. فالدول من النوع الأول يُفترض أنها تمتلك من القدرة الاقتصادية والحيوية السياسية ما يمكّنها من دعم الحرب التي تقرر خوضها، بينما لا تمتلك الدول من النوع الثاني هذه المقومات. ولكن السؤال الذي يبرّر ما نقدّم من افتراض مغاير، ويحتاج إلى استقصاءٍ وإجابة، يبقى ماثلاً: لماذا، إذاً، تُخفق الدول المتقدمة، والشواهد التاريخية على إخفاق أميركا وفرنسا جليّة، في تحقيق النصر في حروبها عندما تواجه أطرافاً أضعف منها عسكرياً، وأقل منها ازدهاراً اقتصادياً، وحيوية في نُظمها السياسية؟.
في محاولة لتقديم مدخل لتفسير داعم للافتراض المُقدّم أعلاه، من الجدير إيلاء الاهتمام إلى تأثير الرأي العام في مجرى الحياة السياسية في الدول ذات النظام الديمقراطي، كأميركا وفرنسا. قد يقوم المستوى السياسي في دول كهذه باتخاذ قرار ببدء حرب على طرفٍ ما، ويقوم بتعبئة الرأي العام لإسناد القرار. يتجاوب الرأي العام مع القرار، وقد يقبل بالتبرير المُقدّم من المستوى السياسي لشنّ الحرب، ويمنح التأييد لها. ولكن هذا التأييد ليس مضمون الاستمرار، بل عرضة للتذبذب والتغيير، بناء على تغيُّر المعطيات. على الأغلب، ونظراً للشعور العام السائد بالتفوّق، خاصة على طرف يعتبره أقل منه مستوى في التقدّم، يتوقع الرأي العام في الدول المنعَّمة نتائج إيجابية تتلخص بخوض حرب رابحة على ذلك الطرف، تكون خاطفة وسريعة ومحدودة التكاليف. لا يهتم الرأي العام بالتكلفة المخفيّة للحرب، والتي تتحملها الدولة، ولا تظهر نتائجها بسرعة، ولكنه شديد الحساسية للتكلفة الظاهرة، وهي التكلفة التي تصيب أفراد الشعب بشكل مباشر، يشاهدها ويعاني بسرعة من نتائجها السلبية. وتتلخص هذه التكلفة بمستوى الخسائر البشرية التي عليه تحمّلها، من جهة، والمادية التي تؤثر على جيوب الأفراد، من جهة أخرى. فطالما كانت التكلفة محدودة في الاتجاهين، يمكن للرأي العام أن يتحملها، أما إن تصاعدت وتيرتها في أحد الاتجاهين، والأخطر إن تم ذلك في كليهما، وذلك بسبب قيام الطرف الأضعف في الحرب بإدارة الحرب بطريقة مغايرة لتوقُّع الطرف الأقوى، وخصوصاً تحويلها إلى حرب استنزاف مكلفة له وطويلة الأمد، فإن الرأي العام يبدأ في التحوّل، وقد ينقلب ضد الحرب، ويوجّه سهام الانتقاد إلى المستوى السياسي. وعندما يصل مستوى الانتقاد إلى درجة عالية، وقد ينفجر في احتجاجات في الشوارع، كما حصل في حالة الحرب الأميركية على فيتنام، فإن المستوى السياسي يقلق ويخشى من المحاسبة والخسارة في الانتخابات القادمة. لذلك يبدأ في عملية مراجعة الذات وتغيير مسار الاتجاه، ويجدّ البحث عن مخرج للورطة التي وضع نفسه فيها.
يتفاقم وضع المستوى السياسي في هذه الدول المُنعَّمة وفق نوع الحرب التي يشّنها. فالحروب من نوعين: "حرب الضرورة"، وهي الحرب التي تُفرض على الدولة عند تهديد وجودها، ما يستدعيها للدفاع عن نفسها. هذا النوع من الحرب يحظى دوماً بتأييد عالٍ من الرأي العام، الذي يلتفّ حول المستوى السياسي، ويقدّم كل الدعم المطلوب لتحقيق النصر فيها، مهما كلّفت التضحيات. فالوطن، في هذا النوع من الحرب، يتعرّض لخطر وجودي، والدفاع عنه واجب وطني ترخص في سبيله كل التكاليف. أما النوع الثاني فهو "حرب الاختيار" التي لا تنجُم عن وجود خطر وجودي يستهدف الدولة، ما يبرر ضرورة خوض الحرب لحماية وجودها، وإنما يختار المستوى السياسي الشروع فيها لأسبابٍ يعتقد بأهميتها. هذا النوع من الحروب، كونه بالإمكان الإحجام عنها، هو النوع الذي من السهل أن يُثير الرأي العام ضدها، خاصة إن لم تحظَ الأسباب المقدَّمة تبريراً لشّنها بالقبول والتأييد، وإن تعقّد مسارها ولم تعد حرباً "نظيفة وسريعة" كما كان متوقعاً ومأمولاً.
في المقابل، فإن الدول التي تستهدفها الدول المنعَّمة بحروب اختيارية، تكون أضعف منها، تعاني من الهشاشة الاقتصادية وارتفاع مستوى الفقر، ومن غياب الحريات السياسية التي تحوّل المشاركة السياسية إلى عملية تحشيد داعم للنظام الحاكم. هذا ما يُطمئن الدول التي تشنّ تلك الحروب أن بإمكانها تحقيق انتصار سريع وغير عالي التكاليف على تلك الدول الضعيفة ذات البنيان الداخلي المهترئ. ولكن عندما تقع الواقعة، تتفاجأ الدول المهاجِمة بصلابة ما تواجهه من مقاومة، رغم ما تقوم بصبّه من دمار على البلد المُستهدَف. أما السبب خلف تلك الصلابة فمتعدد الأوجه. من ناحية، وبصرف النظر عن الاختلافات الداخلية مهما بلغت حدّتها، تتوحدّ أغلبية الشعب في العادة عندما تتعرض بلاده لعدوان خارجي، فتصبح الحرب بالنسبة لهؤلاء "حرب ضرورة"، يُملي فيها الدفاع عن الوطن واجب تعزيز التكاتف واللُحمة الداخلية، والتراص خلف النظام السياسي، ولو كحالة مرحلية. من ناحية أخرى، بسبب هشاشة الوضع الاقتصادي وسطوة النظام السياسي والأمني، تكون شعوب الدول المستهدَفة ذات مناعة عالية، فقد اعتادت شظف العيش، مفروضٌ عليها التأقلم السريع وتدبير شؤون حياتها بأقل التكاليف، ولا يضيرها كثيراً قسوة خارجية تضاف إلى قسوة الحياة الداخلية، فالحياة بالنسبة لها مسلسل من الصعوبات المتفاقمة. لذلك، باستطاعة هذه الشعوب، بخلاف شعوب الدول المنعّمة، تحمُّل الصدمات، وكظم أنين وجعها الناجم عن استهدافها بآلة الدمار الشامل التي توجهها عليها تلك الدول.
تزداد مناعة الدول المستهدَفة عندما يكون نظامها السياسي مؤدلجاً أو عقائدياً، فذلك يمنحه ميزة القدرة على التحشيد الجماهيري، ويمدّه بدعمٍ مبنيٍ على قناعة راسخة في نفوس التابعين. وهذا يُعطي دافعية إضافية عند هؤلاء للدفاع ليس فقط عن البلاد، وإنما عن النظام السياسي المستهدف من قبل الدول المهاجِمة. هذا يصبح جزءاً من التكوين الإيماني للأفراد المنتمين للنظام، يمدّهم بقوة معنوية كبيرة، تجبر في أحيان كثيرة، التفوق المادي للقوة العسكرية المهاجِمة.
***
تشنّ أميركا وإسرائيل "حرب اختيار" على إيران. وفي حين استطاع نتنياهو تبرير هذه الحرب للإسرائيليين، فإن المهمة كانت أصعب بالنسبة لترامب، الذي ما فتئ يحاول إيجاد سبب مقنع لترويجه للأميركيين. لم تكن هذه الحرب "نظيفة وسريعة" كما تمناها، بل أقرب إلى مستنقع يتورط فيه كل يوم أكثر من سابقه. بالمقابل، كانت هذه الحرب "حرب ضرورة" لإيران، تخوضها دفاعاً عن وجودها ونظامها السياسي العقائدي. لذلك، فإن الصمود أمام الهجمة الأميركية – الإسرائيلية لم يكن خياراً أمام النظام الإيراني ومريديه، بل شرطاً أساسياً لتحقيق البقاء. لذلك، اختارت إيران أن تُحوّل هذه الحرب التي أرادها ترامب خاطفة، إلى حرب استنزاف طويلة، تورّط بسببها الإقليم في أتون المعركة، وتزجّ العالم بأكمله في أزمة اقتصادية متفاقمة.
منذ البداية، لم يكن الرأي العام الأميركي مؤيداً لهذه الحرب التي لا يعرف السبب لشنّها، وبدأت وتيرة انتقاداته لها مع بداية سقوط جنود أميركيين في ساحة القتال، من جهة، وارتفاع حدة التضخم وزيادة أسعار السلع في الأسواق، وخاصة الوقود، من جهة أخرى. وأصبح ترامب يعاني من أزمة متصاعدة من الممكن أن تُطيح باستقرار بقية مدة ولايته. فحزبه مُعرّض لخسارة الانتخابات النصفية في الخريف القادم، ما يعني فقدان السيطرة على الكونغرس، مع إمكانية قيام الديمقراطيين حينها بفتح مجال الإجراءات الدستورية لعزل الرئيس.
كما في حروب أميركا السابقة، التي ألحقت دماراً هائلاً بالدول المستهدَفة، سيلحق الدمار ببُنى ومرافق عديدة في إيران. ولكن كما خسرت أميركا تلك الحروب ولم تحقق النتيجة المتوخاة منها، ستخسر أميركا هذه الحرب أيضاً مع إيران.
أما النتيجة التي يجدر استخلاصها من عبر التاريخ فهي: محدودية ما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه، حتى لو تفوّقت، أمام مناعة القدرة على التحمُّل.