معنى أن نكون الآن في العام 1920..!! حسن خضر

الثلاثاء 17 مارس 2026 11:25 ص / بتوقيت القدس +2GMT
معنى أن نكون الآن في العام 1920..!! حسن خضر



تكلمنا، في معالجة سبقت، عن حرص نتنياهو على تصوير الصراع مع إيران بمفردات الصراع، في الحرب العالمية الثانية، على مستقبل أوروبا بين الحلفاء من جهة، وألمانيا النازية من جهة ثانية. ونستكمل الكلام، اليوم، بتمثيلات إضافية وخلاصة عامة. 
فبعد الإعلان عن الاتفاق النووي مع إيران في 2015، خرج نتنياهو بكلام مفاده «نحن الآن في العام 1938» في إشارة إلى اتفاق وقعته بريطانيا وفرنسا وإيطاليا مع ألمانيا النازية، في ذلك العام، وسُمح بموجبه للأخيرة بالاستيلاء على منطقة حدودية مع تشيكوسلوفاكيا. 
نظر معارضو الاتفاق، ومؤرخو الحرب العالمية الثانية، إلى الاتفاق المذكور بوصفه محاولة لاسترضاء هتلر، والحيلولة دون اندلاع الحرب العالمية الثانية. وفي سياق كهذا، تجلى اندلاع الحرب كدليل دامغ على لا جدوى، ومجانية، فعل الاسترضاء.
وهذا ما تكرر في العام 2019، حين شبّه نتنياهو انتهاك إيران لاتفاق تخصيب اليورانيوم باحتلال هتلر لمنطقة الراين، منزوعة السلاح، في العام 1936، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن التراخي في الرد على هتلر لم يحل دون اندلاع الحرب، بل جعلها حتمية. كرر نتنياهو، في السياق نفسه، عبارة ذائعة الصيت لتشرشل في الرد على رئيس الحكومة البريطانية، شامبرلين، الذي وقع الاتفاق: «كنتَ بين خياري الشرف والعار، واخترت العار ففرضت عليك الحرب». 
لا فائدة، بالتأكيد، من محاولة التدليل على فساد هذا المنطق، وعبثية المقارنة. كل ما في الأمر أن المنطق، كما المقارنة (بصرف النظر عمّا فيهما من عوار) يندرجان في إطار مرافعة من نوع ما، وأن ثمة فائدة فعلية في تشخيص المرافعة، وتعيين ما فيها من دلالات. 
أوّل سمات هذه المرافعة أنها «رواية» حول علاقة إشكالية بين إسرائيل وإيران. وكما في كل رواية أُخرى، هي، بهذا المعنى، ليست تشخيصاً لحالة بعينها، بل جملة اقتراحات لمرجعيات معيّنة لا غنى عنها في بلورة تصوّرات وثيقة الصلة، في هذه الحالة بالذات بأسئلة من نوع: 
«مَنْ نحن»، «ما هي إيران»، و»لماذا لدينا مشكلة معها»، «ما هي المشكلة»، و»كيف يمكن حلها». في مجرّد المقارنة ما يوفر إجابات جاهزة لكل ما نقدّم من أسئلة. وفوق هذا كله، وقبل هذا كله، ما يجعل من «الحرب» خياراً لا غنى عنه في كل محاولة محتملة، وناجحة (بل وحتى مُشرّفة) لحل الصراع. 
وبما أن الحرب العالمية الثانية كانت تحالفاً بين «الأخيار» ضد «الأشرار»، فلن يضمن نجاح الحرب الجديدة سوى حلف الأخيار، الذي شاءت المصادفات أن يضم إلى جانب إسرائيل «الأخيار» أنفسهم في الحرب العالمية الثانية. لا يخلو الأمر، بطبيعة الحال، من عمليات انتخاب وإقصاء، و»مسكوت عنه» كما في كل «الروايات». وهذا ليس موضوعنا الآن.
نكون، مع الوصول إلى هذا الحد، قد شخّصنا أوّل، وعلى الأرجح أهم، سمات «رواية» إسرائيل الرسمية عن مشكلتها مع إيران. ومع ذلك، فإن الخلاصة التي تكلمنا عنها في بداية هذه المعالجة هي ما نحتاجه الآن. ولا يبدو من قبيل المجازفة القول إن أهم «مسكوت عنه» في هذه «الرواية» ليس الهويات الملتبسة «للأخيار» و»الأشرار»، بالضرورة، بل الصراع في فلسطين وعليها. ما معنى هذا الكلام؟ 
بعد إخراج فرضيات من نوع: (1) أن المسألة الفلسطينية هي قضية العالم العربي، ومصدر الحرب والسلام في الشرق الأوسط، من التداول و(2) بعد تحويل المسألة الفلسطينية إلى ما يشبه مشكلة إسرائيلية داخلية يتوسط فيها «عرب» بين الإسرائيليين والفلسطينيين و(3) بعد تحويل الغليان السياسي الذي يجتاح العالم العربي نتيجة الدكتاتورية والفساد وانغلاق الأفق إلى تطرف وإرهاب يستدعيان تعميم ثقافة «التسامح» و»الاعتدال» (الثورة المضادة) التي تطوّع بتمويلها وريادتها «الإبراهيميون»، ينبغي إعادة تعريف العدو.
وهذا يعني إعادة تعريف كل ما تقدّم بوصفه من تجليات المشكلة مع إيران، وتحويل العلاقة معها، والموقف منها، إلى خيار بين «الشرف» و»العار». وبما أن نتيجة الحرب العالمية الثانية، التي انتهت بتدمير ألمانيا، تمثلت في توفير وتعزيز أطول فترة سلام في تاريخ القارة الأوروبية، فإن وعد الحرب على إيران، وتدمير ثيوقراطيتها الدينية، ينطويان على وعد تعميم السلام في الشرق الأوسط بطريقة حاسمة، مؤلمة فعلاً، ولكنها مضمونة النتائج.
بمعنى أكثر مباشرة: «حل مشاكل» الاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط، و»إحلال السلام» مشروطان بانتصار ساحق، وهندسة بالقوة العارية للخرائط والحدود والقضايا والمصائر والدول والمجتمعات في هذا الجزء من العالم. وهذه هي مهمة «الأخيار» في حرب لا قيمة فيها للقوانين أو الحقوق، بل لما يتوفر بين يديك من قوّة النيران.
بكلام آخر، هذه «الرواية» هي القناع الأيديولوجي لمشروع صعود القوّة الإقليمية، الذي لا يكتمل دون القضاء على قوّة منافسة. وإذا كان ثمة من فائدة ترتجى من المقارنات التاريخية، فالصحيح أننا الآن في العام 1920، الذي شهد تفكك الإمبراطورية العثمانية، وفرض الانتدابات الفرنسية والبريطانية، ومؤتمر سان ريمو، ومعاهدة سيفر. نحن في العام الذي زرعت فيه بذور كل ما حصد العالم العربي من ثمار طيّبة وسامة على مدار قرن من الزمان، وحتى يوم الناس هذا. فاصل ونواصل.