إذا استمعنا إلى التصريحات العلنية الصادرة عن الإدارة الأميركية، يتبين لنا بوضوح أن إدارة الرئيس ترامب قد وقعت في مأزق يصعب عليها الخروج منه: هي من جهة لم تحدد أهدافا واضحة للحرب لتحقيقها، ومن جهة أخرى، فشلت جميع رهاناتها أو توقعاتها، وبالتالي هي في موقف من يريد التراجع وإنهاء الحرب وإعلان الانتصار، لكن من يضمن لها أن إيران تريد أو أنها راغبة بوقف الحرب؟
قبل التفصيل في ذلك، علينا القول إن هذه الحرب هي في جوهرها حرب اختيار وليست حرب ضرورة، قام بها ترامب بهدف تسيد إسرائيل على المنطقة.
هذه الحرب اندلعت خارج إطار القانون الدولي، وفي وقت كانت فيه مفاوضات تجري بين واشنطن وطهران حول الملف النووي. كما أن معظم دول المنطقة لم تكن راغبة في اندلاعها، لما تحمله من مخاطر مباشرة على أمنها خصوصاً فيما يتعلق بأمن الطاقة والملاحة والبنى التحتية.
إن غياب الأهداف السياسية المُعلنة في هذه الحرب أمر شديد الوضوح ويظهر من التناقضات العديدة في تصريحات الرئيس ترامب نفسه وأركان إدارته، ويمكن تفصيل ذلك على النحو الآتي:
يتعلق التناقض الأول بمسألة تغيير النظام. دخلت الولايات المتحدة الحرب وفي ذهنها أن اغتيال المرشد الأعلى وأركان قادة الجيش الإيراني سيؤدي إلى احتمالين: استلام أشخاص جدد للحكم على استعداد للتنازل للرئيس ترامب مقابل الحفاظ على حياتهم (على طريقة فنزويلا)، أو أن الشعب الإيراني سينزل للشوارع للسيطرة على مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق استمعنا إلى دعوة ترامب للشعب الإيراني لمهاجمة مؤسسات الدولة واستلامها، ثم استمعنا إلى عدم رغبته في اختيار مُجتبى خامنئي مرشداً لإيران خلفاً لوالده. لكن ما حصل في إيران، هو أن الناس نزلت للشارع ليس لاستلام السلطة ولكن للتنديد بأميركا وعدوانها وسياساتها وقتل أطفالها ولتأبين قادتها. ثم قام مجلس الخبراء، ونكاية بترامب على الأغلب، باختيار مُجتبى مرشدا جديدا لإيران، في مشهد لا يخلو من التحدي الصارخ.
وهو ما دفع إدارة ترامب إلى الكذب الصريح بالادعاء بأن حربها لا تهدف إلى تغيير النظام ، ولكن إلى تدمير قدراته وبناه العسكرية.
أما التناقض الثاني فيتعلق بمدة الحرب. فالإدارة تكرر أنها لا تريد حرباً طويلة أخرى مثل العراق أو أفغانستان. ومع ذلك، يقول المسؤولون فيها إن العمليات العسكرية ستستمر طالما كان ذلك ضرورياً، ثم يعود ترامب للقول إن الحرب حققت أهدافها وإنها ستنتهي بسرعة كبيرة.
وكل هذه بالطبع مُجرد أكاذيب تعكس عمق المأزق الذي وقعت فيه الإدارة.
ترامب لا يريد حربا طويلة وكان يأمل بقلب النظام على طريقة فنزويلا خلال يوم أو يومين، لكن مع صمود إيران واتساع هجماتها وإغلاقها غير المعلن لمضيق هرمز، ثم تصعيدها لهجماتها العسكرية مع كل تصريح لترامب وفريقه أنهم دمروا قدرات إيران العسكرية، تشتد حدة التناقضات في الموقف الأميركي.
من جهة يريدون إعلان الانتصار ووقف الحرب حتى دون اتفاق سياسي، ومن جهة أخرى، إيران لا تعطيهم الفرصة للاستمتاع بأكاذيبهم: كلما يدعون تدمير قدرات إيران العسكرية، تفاجئهم إيران بهجمات أشد وبتوسيع لرقعة الحرب ونطاق الأهداف.
أما التناقض الثالث فيتعلق بالمفاوضات. ففي بعض الأحيان تطالب إدارة ترامب إيران باستسلام غير مشروط. لكن في تصريحات أخرى تشير إلى أن المفاوضات قد تظل ممكنة إذا وافقت على الحوار. وهذان الموقفان يعكسان استراتيجيتين مختلفتين تماماً: إحداهما تفترض هزيمة عسكرية كاملة لإيران قبل أي تسوية سياسية، بينما تفترض الأخرى أن المساومة والدبلوماسية قد يظل لهما دور.
لكن ما هو مُخجِل لإدارة ترامب أنها تستجدي المفاوضات لوقف الحرب، بينما تُدير إيران ظهرها لها وهي مُحقة في ذلك، فهذه هي الحرب الثانية التي تشنها أميركا وإسرائيل عليها في أقل من سنة بينما كان الطرفان يتفاوضان. «لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين» كما يقول الحديث الشريف.
أما التناقض الرابع فيتعلق بكيفية تبرير الحرب. ففي البداية جرى تقديم الحرب بوصفها عملاً دفاعياً يهدف إلى منع قيام إيران من امتلاك سلاح نووي. في حين أن ترامب نفسه ادعى بعد حرب حزيران الماضية أنه دمر والى الأبد البرنامج النووي الإيراني بعملية «مطرقة منتصف الليل».
الحقيقة أن هذه الإدارة بكامل أركانها تكذب، حيث سمعنا تصريحات ويتكوف مثلا الذي قال إن بإمكان إيران صناعة قنبلة نووية في عشرة أيام. كيف لدولة دمروا برنامجها النووي صناعة قنبلة نووية في عشرة أيام؟ .
ثم هنالك تناقض بين الحديث عن التصعيد المضبوط وخطر توسع الحرب إقليمياً. فإدارة ترامب أكدت أنها ستدير الحرب بشكل جراحي وستعمل على عدم توسعها. لكن الذي جرى هو أن الحرب توسعت أكثر بكثير مما فَكر ترامب وفريقه به، والأسوأ بالنسبة لهم أنهم عاجزون عن حماية الملاحة في مضيق هرمز، وعاجزون عن الدفاع عن قواعدهم العسكرية في الإقليم، وأن الحرب قد تتوسع أكثر إذا ما قرر الحوثيون دخول الحرب وإغلاق مضيق باب المندب.
والواقع أن كل حديث عن قدرة أميركا على حماية مضيق هرمز بإرسال مُدمراتها لحماية السفن هو مُجرد كلام فارغ فهي لم تجرؤ للآن على القيام بذلك رغم أنها قالت بأنها ستفعل ذلك منذ عدة أيام.
ولا يقتصر مأزق هذه الحرب على البعد العسكري أو السياسي فقط، بل يمتد أيضاً إلى الاقتصاد العالمي. فاستمرار القتال في منطقة الخليج، واحتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز، قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة تهدد بحدوث ركود اقتصادي عالمي.
وهذا ما يفسر القلق المتزايد داخل إدارة ترامب من إطالة أمد الحرب، لأن تداعياتها الاقتصادية سترتد على الداخل الأميركي نفسه، وعلى رغبة حلفائها في الإقليم باستمرار التعاون معها.
إن ما يُمكن قولة بثقة عالية إن إدارة ترامب فشلت فشلا ذريعا في هذه الحرب وهي تريد وقفها بالسرعة الممكنة، لكن إيران ترفض أن تعطيها سُلماً للنزول.
أميركا فشلت في تغيير النظام الإيراني، وفشلت في تعديل سلوكه، وفشلت في تحريض شعبه عليه، وفشلت في منع توسعة الحرب، وفشلت في حماية الدول التي وضعت قواعدها العسكرية فيها لحمايتها، وفشلت في تدمير القدرات العسكرية لإيران.
وحتى لا تغرق أكثر في وحل إيران، وحتى لا تصل أسعار البترول إلى مستوى قياسي يتسبب في كساد اقتصادي عالمي يُؤلب الشعب الأميركي عليها، فإن لديها رغبة شديدة في إنهاء الحرب يمكن الاستدلال عليها من تصريحات ترامب الكثيرة الكاذبة: دمرنا قدرات إيران العسكرية، قمنا بتصفية قياداتهم من الصف الأول والثاني، هم يريدون الحديث معنا، الحرب في نهايتها، الحرب ستنتهي أسرع مما خططنا لها.
أكاذيب لا حصر لها، لكن دلالاتها واضحة: أميركا تريد إنهاء الحرب وإعلان الانتصار تحت مُسمى أنها تمكنت من تدمير البنى التحتية العسكرية والمدنية لإيران.
لكن ما هي مصلحة إيران في وقف الحرب؟
لا توجد مصلحة لها. أي عاقل في إيران سيفكر في الأسئلة الآتية:
لماذا نعطيهم فرصة للراحة وإعلان النصر والتجهيز لحرب جديدة علينا؟ لماذا نقبل بوقف الحرب وباستمرار العقوبات الاقتصادية علينا؟
كيف يمكن أن نضمن ألا يتكرر العدوان الأميركي – الإسرائيلي علينا؟
كيف يمكن حماية حزب الله الذي وقف معنا؟
وقف الحرب من جانب أميركا لا يوفر أجوبة لإيران عن الأسئلة التي تشغلها، وبالتالي لا ترى إيران مصلحة لها في وقفها لأن ذلك سيعطي ترامب سُلماً للنزول عن الشجرة التي صعد عليها.
على العكس من ذلك، إيران تريده أن يغرق أكثر في هذه الحرب، وهي تريد لهذه الحرب أن تستمر لأطول فترة ممكنة حتى تُقدم أميركا لها إجابات شافية عن الأسئلة التي تشغلها.
إذا حصلت إيران على أجوبة مُقنعة لهذه الأسئلة وعلى ضمانات موثوقة لتنفيذ أي اتفاق سياسي، عندها فقط يمكنها أن تعطي ترامب سُلماً للنزول عن الشجرة العالية التي صعد عليها.


