أولى حروب الزمن الجديد ..غسان زقطان

الثلاثاء 10 مارس 2026 10:29 م / بتوقيت القدس +2GMT



هذه حرب تحدث خارج الخطوط الحمراء، خارج الحيل الدبلوماسية والوساطات والحلول الوسط، خارج اللغة الجاهزة التي رافقت الحروب المنتشرة كالفطر بعد العاصفة التي أصبحت ضمن ثقافة المنطقة وتقاليدها، والألغام الكثيرة المتوفرة في الإقليم. 
حرب تحدث خارج الأفكار القديمة وضوابط الصراعات المستخدمة التي أنتجها زمن يبدو قديماً ومستخدماً بشدة الآن.
زمن يتراجع بارتباك ويختفي بخطوات مشوشة، تاركاً المجال لزمن جديد تتقدم ملامحه التي لم تتضح بعد.
حرب ببند واحد على جدولها، هو الإقليم، الشرق الأوسط كاملاً، بدوله وأنظمته وثرواته ومخزوناته وكياناته وصراعاته و»توازناته»، بفسيفساء قومياته المتداخلة ومظالم شعوبه وأيديولوجياتها ونزعاتها المتروكة دون رعاية في العراء. 
عنوان واحد في بنك الأهداف هو الإقليم، الشرق الأوسط الأكثر تعقيداً في مشهد العالم.
حرب يشارك فيها كل شيء الجغرافيا والتاريخ والكتب المقدسة و»الوقت»، بمعانيه المفتوحة على التأويل والنبوءات، ومخيلة الاستشراق التي انبعثت بقوة في أوساط الإنجيليين البيض وتحولت إلى «إرادة إلهية»، خشبة نجاة لنظام الغرب الاستعماري الذي فقد دوره وتجاوزته مركبات القتال، لذلك يبدو الحياد، بمعناه الصغير المتداول، نوعاً من الافتقار إلى الحكمة، بضاعة قديمة أو عملة خرجت من التداول. وستبدو أدوات القراءة ومصادر التحليل المعمول بها عمياء وتائهة خارج الوقائع.
لم تعد الجغرافيا استعارة في هذه الحرب، ولا التاريخ، يمكن تبينهما بوضوح شديد في كل زاوية منها، كل شيء خارج البلاغة الآن.
المخزون كاملاً خارج الأنفاق الآن.
لذلك تبدو وكأنها خرجت عن السيطرة، وها هي تتجول وحدها مثل حزمة رسائل دموية فقدت العناوين.
لقد ساهمت فترة الاسترخاء الطويلة التي تلت حرب الـ12 يوماً وما قبلها وصولاً إلى نقطة الانطلاق في السابع من أكتوبر 2023، ونفوذ فائض القوة الذي تمتعت به إسرائيل، في بناء فائض من الثقة على قدرة متوهمة لإعادة تشكيل المنطقة، ثمة ما لا تلتقطه تقارير الاستخبارات والجواسيس والخلايا النائمة وشبكة الرادارات المتطورة هنا، هو التقاط طاقة التاريخ وقوة الجغرافية.
قوة إيران تكمن في الجغرافية الواسعة والوقت، ومقتلها في الفجوة بين النظام والشارع والنظام وجواره العربي، وإستراتيجية إسرائيل تكمن في القوة الفائضة التي راكمتها، في زراعة الخوف وإرضاخ المحيط وسلاح الجو، ومقتلها في الجغرافيا الضيقة والوقت المحدود وسوء الفهم العميق مع المنطقة.
هذه أولى حروب الزمن الجديد.