بزشكيان.. هل سينطق باسم الحرب أم باسم التهدئة ؟ عامر بدران

الأحد 08 مارس 2026 11:50 ص / بتوقيت القدس +2GMT



تحدثنا في المقال السابق عن الفترات الإصلاحية التي مرت على الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ عن فترة محمد خاتمي الذي جاء بعد انتهاء الحرب الباردة، بحيث كان لا بد من إعادة تموضع إيران ثقافياً في هذا العالم عبر تحديد وتعريف هويتها فيه ومعه، ثم عن فترة حسن روحاني الذي جاء بعد عقوبات اقتصادية قاسية على النظام بسبب ملفه النووي، وبعد الربيع العربي وبداية تغييرات جدية في المنطقة، استدعت أن تتوجه إيران إلى العالم بلغة مغايرة لتستطيع فك الخناق الاقتصادي عليها، أي أن الإصلاح انتقل من كونه حاجة ثقافية في موجته الأولى إلى حاجة اقتصادية في موجته الثانية.
أما الآن فسوف نحاول تحليل الموجة الثالثة التي جاءت في عهد الرئيس الحالي، الإصلاحي هو أيضاً، مسعود بزشكيان، علّنا نستطيع استشراف إلى أين تمضي الأمور في هذه الحرب، انطلاقاً مما كان يمكن لها أن تذهب حين تم الإتيان به كرئيس في خضم حرب غزة عام 2024.
سنتجاوز عن السياسات الداخلية المطلوبة من رئيس إصلاحي، ليس لأنها غير مهمة أو لم تشكّل ملفاً كبيراً على طاولة بزشكيان، بل لأن ما يعنينا هنا هو ملف الحرب؛ كيف كانت في زمن انتخاب الرئيس وكيف تطورت الآن، وموقعه منها كصوت مختلف عن بقية رموز النظام، وهل لهذا الصوت حظوظ من النجاح أم أن صوت المعركة أعلى كما يقال وهو من يقرر للرئيس وغير الرئيس.
تعرف طهران كما يعرف الغرب أن حماس، كطرف بادر بهجوم السابع من أكتوبر، هي أحد حلفاء النظام الإيراني، وأن إيران تدعمها بصرف النظر عن مستوى وجدية هذا الدعم، وأن الصورة المرسومة في الغرب، والتي يشدد عليها ويؤكدها النظام الإيراني بتصريحاته الدائمة هي صورة الحلفاء هذه.
وبالتالي فلا تستطيع إيران التنصل من هذه الصورة بسهولة، كما لا تستطيع إنكار دعمها لحزب الله وللحوثيين وللفصائل العراقية.
لذلك فهي تعرف قبل غيرها أن الشرعية الثورية التي تستمدها من دعم هؤلاء سيكون لها ثمن ما حين ينخرط هؤلاء في المعركة، أي حين تنتقل التصريحات الثورية ضد إسرائيل والغرب إلى حيز الفعل.
حصل السابع من أكتوبر، وانضمت التشكيلات المدعومة من إيران للمعركة، لكن إيران كانت تنتظر ما ستؤول إليه الأمور ولم تتدخل، رغم كل التوقعات التي كانت تقول عكس ذلك، على الأقل عند البعض الذي كان يؤكد على وحدة الساحات كمفهوم مقدس.
كانت إيران تأمل بحرب قصيرة تتضرر منها إسرائيل، ولو بالحد الأدنى الذي يتيح لهذا المحور أن يخرج بصورة انتصار يمكن استثماره فيما بعد في مفاوضات الملف النووي، أو في فرض شروط لموقع جديد وثابت على طاولة السياسات التي يتم رسمها للمنطقة.
لكن الحرب طالت أكثر من اللازم، أو على الأقل ظهر لطهران أن هذه الحرب طويلة، وأن الزمن الذي ستستغرقه سيضعها أمام استحقاق من اثنين: إما الانخراط فيها أو التنصل منها.
لكن الخيار الأول مكلف وسوف يجر الولايات المتحدة إلى الحرب وهذا ليس جيداً على الإطلاق، والخيار الثاني سوف يفقدها شرعيتها الثورية ويفقدها ثقة تشكيلاتها ومليشياتها، وهذا ليس جيداً هو الآخر.
إذاً كان لا بد من خطاب مزدوج موجه إلى الخارج؛ واحد يقوم به النظام من خلال تصريحات المرشد وقادة فيلق القدس والحرس الثوري، يتم توجيهه للحلفاء والتشكيلات المسلحة المنخرطة في المعركة، وآخر يقوم به بزشكيان وعراقجي ومحمد جواد ظريف، موجه إلى الغرب ومستند إلى لغة القانون الدولي وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، أي خطاب التهدئة الدبلوماسي، والذي نجح فيه في الماضي محمد جواد ظريف بشكل مثير للاهتمام، حيث تمخض عن توقيع الاتفاق النووي مع صيغة 5+1 زمن الرئيس حسن روحاني.
إذا جاء بزشكيان كإصلاحي بملف سياسي هذه المرة، من أجل تجنيب إيران صورة الدولة التي تسعى لتوسيع رقعة الصراع، والتأكيد على أنها ليست طرفاً في الحرب، وهذا ما أكده خطاب التنصيب الرئاسي على أي حال، وكان يمكن له أن ينجح لولا أن على الطرف الآخر من الحرب يجلس رجل أكثر دهاءً، ويعمل لتوسيع هذه الرقعة لتطال إيران نفسها، أرادت ذلك أو لم ترده.
تم انتخاب بزشكيان، وما هي إلا أيام قليلة بعد مراسم تنصيبه وقام جيش نتنياهو باغتيال إسماعيل هنية في وسط طهران، في رسالة واضحة تقول للرئيس الجديد: لن تنجح، لا أنت ولا النظام الذي أتى بك، في التنصل من تبعات هذه الحرب، وسوف نجرّك إليها.
وهنا عاد النظام مجبراً ليجد نفسه أمام الخيارين السابقين، ولكن بصورة أكثر قسوة هذه المرة.
ما حصل منذ تلك اللحظة وحتى الآن يعرفه كل متابع، ويعرف كيف تطورت الأمور لنصل إلى هذه الحرب المباشرة على إيران، وليس فقط من إسرائيل بل من الولايات المتحدة نفسها، وهذا ليس مجالنا هنا بقدر ما نريد التركيز على مسعود بزشكيان كحجر ولو بهيئة جندي على هذه الرقعة المعقدة.
ولعل أشد ما حصل على هذه الرقعة هو اغتيال خامنئي، فهذا الاغتيال ليس مجرد ضربة عسكرية ناجحة بل زلزال حقيقي أصاب بنية الدولة، أو بنية النظام القائم أصلاً على مركزية موقع المرشد كضامن أيديولوجي وسياسي.
أي أن الفراغ هنا أصاب الموقع الذي يُفترض أنه فوق العواصف.
وبهذا «التفريغ» للموقع والتهديد الإسرائيلي الأمريكي لمن سيشغله، فإن موقع الرئيس يصعد درجة إلى الأعلى، أو هكذا يُفترض أن يكون.
مع هذا الصعود المفترض يتحول بزشكيان من رئيس إصلاحي إلى رئيس يُدير ارتدادات الصدمة.
ومع كل السيناريوهات المحتملة لهذه الحرب؛ كأن تتوسع وتطول، أو كأن تذهب إلى تقسيم البلاد، أو إلى حرب أهلية، أو إلى معجزة تجعل النظام يلتقط أنفاسه كنتيجة لصمود طويل ومراوغات سياسية، إلا أن ما قاله ترامب قبل يومين قد يؤشر على هدف أميركي يمكنه أن يُرضي جميع الأطراف، حيث قال: «علينا أن نتحدث مع الناجين من النظام السابق».
والناجون اليوم (وغداً على الأغلب) هم الوجوه الإصلاحية للنظام وعلى رأسهم بزشكيان الذي ما زال يميل إلى الصمت كرئيس، ولو أنه قام ببعض التصريحات الشعاراتية لا أكثر.
فهل سيتحدث في قادم الأيام كناطق باسم الحرب، أم هل يتحدثون معه كناطق باسم التهدئة؟.