هذه هي المحاولة الثالثة لإسقاط النظام الإيراني خلال أقل من عام. وقعت الأولى في حزيران من العام الماضي، والثانية في سياق الاحتجاجات المناوئة للنظام، التي ركبت موجتها عناصر تحريض محترفة، وبدأت الثالثة بالهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي صباح السبت الماضي، ولا نعلم علم اليقين متى ولا كيف تنتهي.
كل ما في الأمر أن إسقاط النظام هو أوّل خيط بين أيدينا لتشخيص الحرب، وأن هذا التشخيص وثيق الصلة بتغيير «خريطة الشرق الأوسط»، التي تكلّم عنها نتنياهو، أو صعود القوّة الإسرائيلية بعبارة أوضح.
والواقع أن العثور على أوّل الخيط لا يقلل من تعقيدات الكلام عن هذه الحرب، بقدر ما يزيدها. ففي مجرد «إشراك» الأميركيين في محاولة كهذه ما يعني أن القوّة الإسرائيلية لا تملك ما يكفي من العدة والعتاد للقيام بعمل كهذا.
والأهم أن ما قد يسفر عنه عمل كهذا، سواء في حالتي النجاح أو الفشل، قد يكون أكبر من طاقة الإسرائيليين، ناهيك عن التداعيات، المباشرة وبعيدة المدى، الإقليمية والدولية للحرب.
ولنفكر في «إشراك» الأميركيين، مع التشديد على ضرورة وضع المفردة بين مزدوجين. فالحرب لا تحظى بتأييد واسع حتى في أوساط القاعدة الانتخابية لترامب، التي منحته أصواتها بوصفه داعية لسياسة «أميركا أولاً» وتعبيراً عن رفضها لسياسة المحافظين الجدد، وحروبهم الفاشلة في الشرق الأوسط.
ولنفكر، أيضاً، في «إشراك» الأميركيين، وفي خلفية المشهد علاقة ترامب المُلتبسة بنتنياهو، وطبقة أصحاب المليارات من داعميه ومموليه في الولايات المتحدة، علاوة على خصوصيات عقلية وجسدية وسياسية وأخلاقية (ملف إبستين) ترتسم بوتيرة متزايدة كعلامات استفهام كبيرة وفاقعة في أذهان غالبية الأميركيين.
وهذا في نظره أمر مفزع، تماماً، مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، التي قد تجعل منه خسارتها كيساً مثالياً للملاكمة، وربما أسوأ.
لذا، المشاركة في الحرب لإسقاط النظام لا تعني تطابقاً في «طول النفس» والتزاماً متماثلاً بالأهداف. فمع نهاية اليوم الأوّل للحرب، مثلاً، وبعدما تأكد مقتل المرشد الإيراني، أرسل ترامب عبر وسطاء ما يفيد رغبته في «التفاوض» و»وقف إطلاق النار اليوم» أو «غداً». وقد قوبل عرضه بالرفض.
وبالنظر إلى تكوينه وسلوكه الشخصي، وما يصدر عنه من تصريحات وتلميحات، وقياساً على غزوة فنزويلا، إضافة إلى ملابسات قصف ثلاث منشآت نووية إيرانية في حرب العام الماضي، يمكن القول بقدر من اليقين إن ترامب يريد حرباً سريعة، غير مكلفة خاصة في أعداد القتلى من الأميركيين، ونتائج ملموسة تبرر التباهي، ولكنها قد لا تنسجم، بالضرورة، مع هدف إسقاط النظام. وهذا يختلف عمّا يريده الإسرائيليون.
وطالما وصلنا إلى هذا الحد، فلنقل إن النجاح في «إسقاط النظام» لا يقل إشكالية وخطورة، عن الفشل في «إسقاط النظام». فإسقاط النظام لا يقتصر على حلول نظام بديل تمثله معارضة تحظى بتأييد قطاع واسع من السكّان (وهذا غير متوفر) بل قد يعني انهيار الدولة المركزية، واندلاع حروب أهلية، وانخراط قوى خارجية في واقع ما بعد الدولة المركزية.
وهذا أمر بالغ الخطورة، بالتأكيد، في حال انهيار دولة مركزية تضم ما يزيد على ثلاثة وتسعين مليون نسمة، يتوزعون على ما يزيد على ست جماعات قومية، أكبرها الفرس الذين يشكّلون قرابة ستين بالمائة من عدد السكّان.
وعلى مقلب آخر، ينبغي النظر إلى القضاء على «جناح المتطرفين» في النظام، سواء بالقتل أو الإبعاد، والتفاوض مع «جناح المعتدلين» مع الإبقاء عليهم في سدة الحكم، كنوع من الفشل في إسقاط النظام، فالجغرافيا السياسية للدولة الإيرانية، والتكوين الإثني، والتاريخ البعيد والقريب، أشياء لا تجعل من النموذج الفنزويلي نموذجاً يُحتذى في الحالة الإيرانية.
أما الحالة الأشد سُميّة وفتكاً فهي الفشل في إرغام النظام على الاستسلام، على الرغم مما تكبّد من خسائر.
وإذا افترضنا، نظرياً، أن هذه الحالة قد تتحقق بعد حرب استنزاف، لا يملك الأميركيون، والإسرائيليون، رفاهية الانخراط فيها لفترة طويلة من الوقت، فهذا يعني خسارة فادحة للطرفين، ولها تداعيات هائلة في الإقليم والعالم.
من الواضح، الآن، أن رهان صنّاع القرار في إيران على الحالة الأخيرة، ورفض التفاوض (بسرعة على الأقل) لا يصدر عن إحساس بالقوّة، بل نتيجة فقدان الخيارات من ناحية، والرهان على عدم التطابق في «طول النفس»، ومدى «الالتزام» بالأهداف بين الإسرائيليين والأميركيين من ناحية ثانية. ولعل في هذا ما يستدعي ملاحظة أخيرة.
لا علاقة لطول النفس، ومدى الالتزام بالأهداف، بقناعات هذا الطرف أو ذاك، بل بالحسابات الباردة.
وأهم ما يتصل بالحسابات الباردة، في هذا الشأن: مَنْ يسبق الآخر في تقليم الأظافر، والحد من قدرته على إلحاق الأذى. قوة النيران هي المصدر الرئيس لقدرة الأميركيين والإسرائيليين على إلحاق الأذى، بينما قدراتهم الدفاعية محدودة، فالصواريخ الاعتراضية عالية الكلفة، ومحدودة العدد.
وفي المقابل، يملك الإيرانيون أعداداً كبيرة من الصواريخ، التي قد تُلحق الكثير من الأذى في حال عدم اعتراضها.
هل سيتمكن الأميركيون والإسرائيليون من تقليم الأظافر الصاروخية للإيرانيين أولاً، أم سيتمكن الإيرانيون من تحييد دفاعات الطرفين أولاً؟
كل مصائر الفاعلين في الميدان وعلى حوافه، والشرق الأوسط، والعالم، مُعلّقة على هذا السؤال. ثمة ما لا يحصى من الخيوط. فاصل ونواصل.


