الهند وإسرائيل: من عدم الانحياز إلى تحالف الضرورة ..جمال خالد الفاضي

الجمعة 27 فبراير 2026 01:55 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الهند وإسرائيل: من عدم الانحياز إلى تحالف الضرورة ..جمال خالد الفاضي



العلاقات الدولية ليست سجلًّا للوفاء، بل دفتر حسابات مفتوحًا دائمًا على المراجعة. وليس أكثر تضليلًا في قراءة السياسة الدولية من الاعتقاد أن الدول تتحرك وفق ذاكرتها الأخلاقية، وإنما وفقاًلمصالحها. من هذه الزاوية، لا يبدو التقارب الهندي-الإسرائيلي مفارقة تاريخية بقدر ما يبدو إعلانًا متأخرًا عن نهاية عصرٍ كامل: عصر العالم الثالث، وعصر عدم الانحياز، وعصر السياسة التي كانت تُبنى على تصورات أخلاقية للعدالة.

الهند التي وقفت يومًا في طليعة المدافعين عن القضية الفلسطينية لم تتخلَّ عن فلسطين بقدر ما تخلّت عن نفسها القديمة. إنها لم تغيّر موقفها من إسرائيل فحسب، بل غيّرت تعريفها لدورها في العالم، وانتقلت من دولة تسعى إلى حماية استقلالها إلى قوة تسعى إلى تعظيم نفوذها. وبين الوظيفتين مسافة فلسفية هائلة: الأولى أخلاقية الطابع، والثانية جيوبوليتيكية الممارسة.

منذ عقودِ طويلة، أي في خمسينيات القرن الماضي، حين تأسست حركة عدم الانحياز، لم تكن مجرد تجمع دبلوماسي، بل تعبيرًا عن لحظة تاريخية شعرت فيها شعوب ما بعد الاستعمار أنها قادرة على صياغة نظام دولي أكثر عدلًا. كانت فلسطين في قلب هذا التصور لأنها المثال الأوضح على استمرار الاستعمار في زمن التحرر. لكن العالم الذي منح تلك اللحظة معناها اختفى. لم يعد هناك قطبانمتنافسان يتيحان لدول الجنوب هامش المناورة، ولم تعد الأيديولوجيا محرّك السياسة الدولية، بل السوق والتكنولوجيا والأمن. وهكذا تحولت دول عدم الانحياز دون أن تعلن ذلك إلى دول إعادة الانحياز، كلٌّ وفق مصالحه. وقد كانت الهند الأبرز في هذا التحول، لأنها الدولة الوحيدة تقريبًا التي تملك من الحجم السكاني والاقتصادي والعسكري ما يؤهلها للانتقال من موقع الضحية التاريخية إلى موقع الفاعل الطامح للقيادة.

من هنا، لا تنظر الهند إلى إسرائيل من زاوية الشرق الأوسط أو الصراع العربي-الإسرائيلي، بل من زاوية ما تمثله إسرائيل كنموذج للدولة الحديثة القادرة على تحويل المعرفة إلى قوة. إنها ليست حليفًا تقليديًا، بل مختبرًا متقدمًا للتكنولوجيا الأمنية والزراعية والعسكرية،وهي المجالات التي تحتاجها الهند إذا أرادت أن تتحول إلى قوة عظمى. بهذا المعنى، فإن العلاقة ليست عاطفية ولا أيديولوجية، بل معرفية استراتيجية. لذا، فإسرائيل بالنسبة للهند ليست قضية، بل أداة. وفي السياسة الدولية، الأدوات أكثر ثباتًا من القضايا.

ثمة بعد أعمق من المصالح المادية، يتعلق بالبنية الفكرية للدولتين. فكلتاهما تمثل مشروعًا قوميًا يسعى إلى إعادة تعريف الهوية في فضاء متعدد الأعراق والأديان. القومية الهندوسية في الهند، والصهيونية في إسرائيل، تلتقيان عند تصور الدولة بوصفها حصنًا لهوية مهددة لا مجرد إطار إداري محايد. لكن هذا التقاطع لا يعني تحالفًا أيديولوجيًا كاملًا بقدر ما يعني تقاربًا في الحساسية تجاه الأمن والهوية والذاكرة التاريخية. إنه نوع من التعاطف البنيوي بين مشروعين يريان نفسيهما محاطين ببيئات معادية.

وفي سياق آخر، لا يمكن فهم التقارب دون وضعه ضمن إعادة تشكيل النظام الدولي حول صعود الصين. فالولايات المتحدة، التي تسعى إلى بناء شبكة احتواء آسيوية لبكين، ترى في الهند ركيزة أساسية. وفي هذا السياق، تصبح إسرائيل بما تملكه من تفوق تكنولوجي وعلاقات وثيقة بواشنطن جزءًا من منظومة أوسع لا مجرد علاقة ثنائية. إنها لعبة التوازنات الكبرى: الهند تقترب من إسرائيل لتعزيز موقعها في النظام الدولي، دون أن تبدو تابعة للغرب بالكامل. وإسرائيل تستفيد من الهند للخروج من عزلتها الإقليمية والتاريخية.

ومن جهته، لم يعد العالم العربي كتلة سياسية قادرة على فرض شروطها كما في سبعينيات القرن الماضي، حين كان النفط سلاحًا جيوسياسيًا فعالًا. كما أن الانقسامات الإقليمية، وظهور أولويات داخلية ضاغطة، قلّصت قدرة العرب على التأثير في خيارات القوى الصاعدة. والأهم من ذلك أن بعض الدول العربية نفسها أعادت تعريف علاقتها مع إسرائيل، ما جعل التقارب معها أقل كلفة على أي طرف ثالث. وهكذا لم تعد فلسطين معيارًا إلزاميًا للسياسة الخارجية كما كانت.

في السياسة الدولية، لا يكفي أن تكون القضية عادلة؛ يجب أن تكون أيضًا مرتبطة بمصالح الآخرين. وقد عانت القضية الفلسطينية في العقود الأخيرة من تحولها من مشروع تحرر وطني ديناميكي إلى ملف دبلوماسي مزمن، يتغذى على التعاطف أكثر مما يولد النفوذ. الهند، التي تتعامل مع العالم بمنطق القوة الصاعدة، لا تجد في هذه القضية ما يعزز مشروعها الاستراتيجي، في حين تجد في إسرائيل شريكًا يقدم قيمة مضافة ملموسة. هنا لا يغيب الضمير تمامًا، لكنه يُعاد ترتيبه خلف اعتبارات البقاء والتقدم.

إن أخطر ما في التقارب ليس ما يعنيه للهند، بل ما يعنيه لإسرائيل. فالدولة التي كانت تعتمد تقليديًا على الغرب تكتسب الآن عمقًا استراتيجيًا في آسيا، حيث مراكز الثقل المستقبلية. وهذا يمنحها هامش حركة أوسع ويقلل من قدرت أي طرف على عزلها دوليًا.

أما بالنسبة للعالم العربي، فإن الرسالة واضحة: لم تعد القضية الفلسطينية المفتاح الذي يحدد علاقات القوى الكبرى بالمنطقة. لقد أصبحت عنصرًا واحدًا ضمن معادلة أعقد بكثير.

ما تكشفه العلاقة الهندية-الإسرائيلية ليس مجرد تغير في موقف دولة بعينها، بل تحول في طبيعة السياسة الدولية نفسها. لقد دخل العالم مرحلة لا تحكمها التحالفات الأيديولوجية ولا التضامنات التاريخية، بل شبكات المصالح المتحركة. وفي هذا العالم، لا تختفي القيم، لكنها تفقد قدرتها على فرض السلوك. ولا تختفي القضايا العادلة، لكنها تحتاج إلى قوة تحمي عدالتها من أن تتحول إلى مجرد خطاب.

الهند لم تخن فلسطين، بل انتقلت إلى زمن لم تعد فيه فلسطين مركز النظام الأخلاقي العالمي كما كانت في لحظة تاريخية سابقة. والسؤال الحقيقي ليس لماذا تغيرت الهند، بل لماذا بقي العالم العربي يتعامل مع السياسة الدولية وكأن تلك اللحظة لم تنتهِ. إنها لحظة إدراك قاسٍ: التاريخ لا يُكافئ من يملك ذاكرة أطول، بل من يملك قدرة أكبر على قراءة المستقبل. ومن لا يحوّل عدالة قضيته إلى عنصر قوة، يكتشف أن العالم قد يتعاطف معه طويلًا… لكنه لا يبني سياساته عليه.

لنتذكر بعقل السياسي المحايد، ما حدث ليس انزياحًا هنديًا نحو إسرائيل بقدر ما هو انزياح الهند نحو نفسها، نحو تصور جديد لدورها في العالم. إنها تسعى إلى أن تكون قطبًا مستقلاً لا تابعًا أخلاقيًا لحقبة عدم الانحياز. في عالم تتحدد فيه المكانة بقدرة الدولة على إنتاج القوة لا سردية العدالة، تصبح التحالفات انعكاسًا للاحتياجات المستقبلية لا للذكريات المشتركة. إن السياسة الدولية، في جوهرها، فنّ إدارة التحولات لا الحفاظ على الثوابت. ومن لا يدرك ذلك، يكتشف متأخرًا أن التاريخ لا يُكافئ الوفاء… بل القدرة على التكيف.