هل إصدار دستور فلسطيني ضروري؟ وهل الوقت مناسب له، وبالطريقة التي شاهدناها جميعاً؟ وكيف يمكن إصداره؟... هذه بعض أسئلة مُثارة بعد نشر مسوّدة الدستور الفلسطيني وعرضها للمناقشة العامة خلال ستّين يوماً من دون إقراره عبر جمعية تأسيسية منتخَبة أو متوافق عليها وطنياً بشكل واسع، بل من طريق تشكيل لجنةٍ غاب عنها معظم الفصائل والقطاعات، وشُكّلت وعرضت مسوّدة الدستور للنقاش العام من دون عرضها على اللجنة التنفيذية لمنظّمة التحرير، كما صرّح عضوها ممثّل الجبهة الديمقراطية رمزي رباح.
الدستور، بوصفه أبا القوانين جميعاً، ضروري جدّاً إصداره في أيّ دولة ذات سيادة أو عشية السيادة. فهناك ما يُطلق عليه "اللحظة الدستورية"، وهي لحظة استثنائية يُؤسَّس فيها النظام السياسي والقانوني، أو يُعاد تأسيسه عبر وضع دستور جديد أو إدخال تغييرات دستورية عميقة، على أساس أن الدستور يتضمّن حقوقاً وواجبات، ولا بدّ من توافر السيادة حتى تضمن الالتزام بهما. وتتحقّق اللحظة الدستورية عند تأسيس دولة جديدة، أو سقوط نظام سياسي وقيام آخر بدلاً منه، أو اندلاع ثورة أو تحوّل سياسي جذري. أي إنّ هناك حاجة إلى تطوّر أو حدث تأسيسي كبير، أو أزمة كبرى بحاجة إلى تفويض شعبي واسع أو توافق سياسي كبير. وهناك دول تضع دستوراً، وأخرى تكتفي بإقرار قوانين أساس، مثل ألمانيا، تعوِّض عن الدستور.
وضع دستور في وقت يُقطع فيه الطريق على قيام الدولة الفلسطينية هو أقرب إلى الملهاة والتحايل
يدور حوار في فلسطين منذ قيام السلطة الفلسطينية بين السياسيين والقانونيين والمهتمّين، خصوصاً بعد حصول دولة فلسطين على صفة مراقب، ويتزايد مع تزايد الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية، ووصلت إلى 159 دولة، منها معظم الدول التي لها حقّ النقض (فيتو) ما عدا الولايات المتحدة، حول ضرورة إصدار دستور ليحلّ محلّ القانون الأساسي الذي حكم السلطة الوطنية.
وقد وُضعت مسوّدات للدستور، وأُجريت تعديلات عليها، لكنّها لم ترَ النور، لتغلّب الرأي الذي يرى أن الوقت الملائم لإصدار الدستور هو بعد دحر الاحتلال وتجسيد استقلال دولة فلسطين أو عشية الاستقلال. فماذا عدا عمّا بدا حتى يصبح الدستور مُلحّاً؟ أم أن الأمر كلّه إضاعة وقت وملهاة عمّا يجب عمله؟... وحتى تتضح الصورة، لا بدّ من الانطلاق من خصوصية الوضع الفلسطيني، النابعة من أن فلسطين تحت استعمار استيطاني عنصري إحلالي، يستخدم الاحتلال والفصل العنصري والإبادة والضمّ والتهجير والعدوان العسكري بأشكالها كلّها لتحقيق أهدافه، وأن مشروعه لم يُغلق، بل لا يزال مفتوحاً، بل أصبح أكثر تطرّفاً وعنصريةً وعدوانيةً ووحشية.
وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني لا يزال في مرحلة تحرّر وطني، فيها مهمّات ديمقراطية ناجمة عن وجود السلطة، لكنّها ليست مرحلة بناء الدولة أو عشية قيامها أو انتقالاً للدولة، رغم أن الدولة حقّ طبيعي وتاريخي وقانوني خالص للفلسطينيين، مُقرّ بالقانون الدولي والشرعية الدولية، وأنها قائمة رسمياً، ولكنّها لن تقوم فعلياً إلا بعد دحر الاحتلال. ويجب ألا تكون الدولة محلَّ تفاوض كما فعلت قيادة منظمة التحرير حين فاوضت على الدولة وبقيّة الحقوق التي لا يُتفاوض عليها، بل التفاوض يكون على كيفية تطبيقها. فحقّ تقرير المصير يطبّقه الشعب المعني ولا يُتفاوض عليه. والدولة الفلسطينية قائمة رسمياً، لكنّها تحت الاحتلال، أي لا تمارس السيادة، التي هي العنصر الرئيس الذي يُعطي الدول اسمها. وإلى حين تجسيد الاستقلال يمكن اللجوء إلى القانون الأساسي المعدّل شرط أن يُسعي إلى تغيير السلطة فتصبح أداةً في خدمة البرنامج الوطني، وتنقل مهماتها السياسية للمنظمة.
في الأصل، حصل خطأ فادح حين أُسّست سلطة تحت الاحتلال، فهذا وجّه ضربةً في الصميم لطبيعة المرحلة، وأوجد تصوّراً أنها تحوّلت من مرحلة تحرّر وطني إلى مرحلة بناء دولة كانت أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة. وقد أدّى ذلك، أي تأسيس السلطة تحت الاحتلال، في ظلّ استمرار الاختلال في ميزان القوى وتعمّقه، وتعميم التطبيع العربي الإسرائيلي، وإغلاق المساحات والهوامش أمام الكفاح المسلّح أكثر فأكثر، مع صراعات المحاور العربية والإقليمية والدولية وتداخلاتها في الساحة الفلسطينية، إلى وضع التربة المناسبة لتحوّل الخلافات الفلسطينية إلى انقسام وصراع على السلطة، وهو ما حصل بالفعل.
فحركة حماس، التي طرحت مشروع التحرير مجدّداً، قرّرت سريعاً، ابتداءً من عام 2005، الجمع بين التحرير والاستقلال عبر الصراع على السلطة كما هي ومن دون تغيير التزاماتها ووظائفها وموازنتها من خلال الانخراط في السلطة عبر الانتخابات، ثم شكّلت حكومة الشهيد إسماعيل هنية الأولى، ثم ترأّس هنية حكومة الوحدة الوطنية، ثم حسمت عسكرياً/ انقلاباً في قطاع غزّة، وصولاً إلى "طوفان الأقصى" الذي كان، رغم أنّه ردّة فعل على الحصار والجرائم الإسرائيلية وغياب الأفق السياسي، قفزةً إلى السماء.
وفي المقابل، رأينا كيف تغيّر موقف حركة فتح من تبنّي مشروع التحرير إلى تبنّي برنامج السلطة الوطنية في أيّ شبر يحرّر، ثم دولة فلسطينية مرحلةً في طريق التحرير، ثم استقلال دولة فلسطين حلّاً نهائياً مقابل حقّ العودة. لم تنجح هذه المقايضة في قمّة كامب ديفيد عام 2000، إذ اتضح أن المعروض دولةٌ ناقصةٌ في جزء من الأرض المحتلّة ومن دون القدس ولا حقّ العودة وبلا سيادة حقيقية، وبدلاً من مراجعة أوسلو ونهج التسوية مراجعةً جذرية، تم الانتقال عملياً، بعد استشهاد الزعيم ياسر عرفات، إلى برنامج الحفاظ على السلطة والقيادة من طريق استمرار الأوهام الضارّة والرهانات الخاسرة على التسوية وعلى تغيّر الموقف الأميركي والإسرائيلي، وتنفيذ الالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية من جانب واحد.
أي إنّ جذر الخلل يكمن في الموافقة على قيام سلطة تحت الاحتلال من دون مرجعية وآلية مُلزمة، ولا اتفاق على أهداف التسوية النهائية، ومع حرية دولة الاحتلال بتغيير الحقائق على الأرض، حتى أصبح الحلّ الإسرائيلي هو الحلّ الوحيد المطروح والممكن عملياً، ما وفّر الأرضية لصراع داخلي فلسطيني على السلطة أصبح، في بعض الأحيان، يطغى على الصراع مع الاحتلال.
تأسيس سلطة تحت الاحتلال وجّه ضربةً في الصميم لطبيعة المرحلة، وأوجد تصوّراً أنها تحوّلت من مرحلة تحرّر وطني إلى مرحلة بناء دولة كانت أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة
تأسيساً على ما سبق، وضع دستور في وقت يجري فيه (رويداً رويداً) قطع الطريق على قيام الدولة الفلسطينية، بل دفنها، لصالح تقدّم مشروع "إسرائيل الكبرى"، يجعل الأمر أقرب إلى الملهاة والتحايل، كما يظهر ممّا قاله مسؤول كبير (إن الانتخابات العامة لن تُجرى قبل عامَين)، وأقرب إلى الجدل البيزنطي؛ إذ جادل أهل بيزنطة في جنس الملائكة بينما الأعداء يشدّدون الحصار استعداداً للهجوم الأخير عليهم. فالضمّ الزاحف والمتدرّج أصبح الواقع الأقوى في الضفة الغربية، وأصبح القطاع تحت وصاية استعمارية تُسمّى مجلس سلام، تشكّل مظلّةً لاستمرار الاحتلال، ويشتدّ الخناق على الشعب الفلسطيني في الداخل الذي يعاني من العنف والجريمة والمعاملة التمييزية المسلّحة بقوانين عنصرية، وسط إعلانات الحكومة الإسرائيلية وإقرار قانون أساس بأنّ حقّ تقرير المصير في هذه البلاد لليهود حصراً، ورفض أغلبية إسرائيلية كبيرة قيام دولة فلسطينية، وفرض السيادة الكاملة على فلسطين كلّها، فتُضمّ الأرض ولا يُضمّ سكّانها، ما يعني السعي إلى تهجيرهم مع منحهم، أو ما تبقّى منهم، جوازات فلسطينية أو غيرها، بما يجنّب دولة الفصل العنصري "القنبلة الديموغرافية".
إن الانشغال بالدستور والانتخابات في الظروف الحالية، وفي الوقت الذي قطاع غزّة فيه مُدمّر ويعاني من الإبادة والتهجير الداخلي تمهيداً للتهجير الخارجي، والضفة في عين العاصفة، والحركة الوطنية بمختلف مكوّناتها ومؤسّسات المجتمع المدني في حالة يُرثى لها وبأسوأ وضع تمرّ به منذ اندلاع الثورة الفلسطينية المعاصرة، يشبه حال من اندلع حريق في بيته، وبدلاً من إطفائه ينشغل بالجدال حول محاسبة المسؤول عن نشوب الحريق أو من سيقود البيت بعد إطفاء الحريق؛ أي بحسم الصراع الداخلي، وهذا يهدّد بضياع كل شيء.
تتعرّض مظاهر تجسيد القضية الفلسطينية وأشكالها إلى أخطار وجودية تهدّد باندثارها. الأرض تُصادر وتُستوطن وتُضمّ، والشعب يتعرّض للإبادة والتهجير والتمييز والفصل العنصري، ويُعزل في معازل منفصلة عن بعضها بالحواجز والبوابات والطرق الالتفافية والمناطق الآمنة والعسكرية والمستوطنات، وتتعرّض الحقوق، وفي رأسها حقّ العودة وتقرير المصير، للتصفية. كما تقوّض المؤسّسات التمثيلية: تقويض السلطة في الضفة ومنع عودتها إلى غزّة وتدميرها في القطاع، بينما تُجمّد بأيدٍ فلسطينية منظمة التحرير، ويجري إضعاف المجلسيَن الوطني والمركزي عبر الهيمنة والتفرّد والإقصاء وعدم عقد اجتماعات لهما رغم حرب الإبادة، وتُهمّش اللجنة التنفيذية، في وقت يمكن أن تكمن خشبة الخلاص في إحياء المنظمة وضمّ مختلف القوى والألوان السياسية والاجتماعية إليها على أساس صياغة جديدة للميثاق الوطني بما يحفظ وحدة القضية والأرض والشعب، ويجسّد الحقوق والأهداف الأساسية وأشكال المقاومة الرئيسة والقيم والسردية الفلسطينية.
وضع دستور في هذه الظروف، وتحديد موعد لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني غير قابل للتطبيق، رغم الشرط الإقصائي الذي يريد فرض الولاء لبرنامج واحد على الجميع، وبشكل انفرادي، يعني حرف الأنظار عن مواجهة الأخطار المحدقة، خصوصاً أن الدستور يجب أن يكون محلّ إجماع أو توافق وطني واسع جدّاً، وأن يكون له حامل سياسي، لن يتوافر إلا بعد إعادة بناء وتجديد وإصلاح الحركة الوطنية وتغييرها. فمن سيحمل الدستور في ظلّ الخراب الحالي؟
أمّا الدعوة إلى إجراء انتخابات محلّية والقفز عن (وقبل) الانتخابات الرئاسية والتشريعية، فيصبّ الماء، بقصد أو من دونه، في طاحونة التعامل مع القضية الفلسطينية قضيةً إنسانية، ومع الشعب سكّاناً وأفراداً لهم احتياجات فردية ومحلّية فقط، من دون حقوق ولا مؤسّسات تمثّله، بحيث يمكن أن تحلّ المجالس المحلّية محلّ الممثّل الشرعي والوحيد، ولكن لتقديم خدمات فقط، تماماً مثل اللجنة التكنوقراطية في غزّة، ومع الاحتلال إدارة، وليس لأن تكون الانتخابات المحلّية، كما كانت في سبعينيّات القرن الماضي، جزءاً من معركة الشعب ضدّ الاحتلال.
لا يعقل ألا يتطرّق دستور فلسطيني إلى السردية التاريخية، ولا يحتفظ بالحقّ في المقاومة
هل يُعقل أن يكون هناك دستور فلسطيني لا يتطرّق إلى السردية التاريخية، ولا يحدّد حدود الدولة، ولا يحتفظ بالحقّ في المقاومة المُقرّ حتى بالقانون الدولي، ويخضع لمحدّدات ووقائع (وموازين) الوضع الراهن السيئ جدّاً، ولا يحفظ الحقوق الأساسية، أو يحدّد ملامح الخلافة بصورة أحادية، ويمنح صلاحيات كبرى للرئيس، بعد تجربة سياسية فلسطينية سلطوية شديدة الإشكالية فيما يخصّ الحوكمة والديمقراطية وفصل السلطات واحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان؟
الخلاصة: الانشغال بالدستور والدعوة إلى انتخابات في الظروف الراهنة يشكّل حرفاً للأنظار عن الأخطار الوجودية المتفاقمة، ويسهّل تجاوز الحقوق والمؤسّسات، ويُضعف منظمة التحرير، ويُعمّق الانقسام، ويزيد العزوف الشعبي والهوّة ما بين القيادة والشعب، ويعقّد شروط الحياة الإنسانية. ... ولا يمكن مواجهة هذه الأخطار إلا من خلال حوار وطني شامل، مهمته الأساسية وضع خطة وطنية شاملة للصمود والبقاء للقضية والشعب والمؤسّسات أولاً، ولمواجهة المخططات المعادية وإحباطها ثانياً، على أن يبحث تحقيق الوحدة وإجراء الانتخابات لاحقاً. فالوحدة يمكن أن تتحقّق بعد تجديد أو تغيير أو كليهما في مكوّنات الحركة الوطنية، وفي غمار النضال المشترك الذي يمكن أن يكون عبر السير في البداية متفرّقين وبشكل متوازٍ، والضرب في الاتجاه نفسه.


