هدف الحرب: حماية وتسيّد دولة الاحتلال ..طلال عوكل

الإثنين 23 فبراير 2026 12:05 ص / بتوقيت القدس +2GMT
هدف الحرب: حماية وتسيّد دولة الاحتلال ..طلال عوكل



سنوات طويلة والعالم «الغربي» منشغل بموضوع الملفّ النووي الإيراني أفضت إلى توقيع اتفاق خلال ولاية رئيس أميركا الأسبق باراك أوباما. كان يمكن لذلك الاتفاق الذي ألغاه دونالد ترامب خلال ولايته الأولى أن يختبر نوايا إيران، إن كانت تسعى لامتلاك برنامج نووي حربي أم مدني. والحقيقة أن إيران لم تتجاوز حدود التخصيب المتفق عليها إلّا بعد أن قام الأخير بإلغاء الاتفاق.
ومع ذلك تواصل إيران التأكيد على حقّها في التخصيب لأغراض مدنية، وتبدي استعداداً لإخضاع برنامجها للرقابة للتأكّد من طبيعته المدنية، غير أن «الغرب» عموماً وأميركا خصوصاً، أخضعا إيران لسلسلة من العقوبات الاقتصادية الصعبة تحت عنوان منعها من امتلاك قدرات نووية، ولكن الهدف الأساسي إسقاط النظام، أو إرغامه على رفع راية الاستسلام والخضوع للإملاءات «الغربية».
«الغرب» لم يفعل شيئاً إزاء امتلاك الهند وباكستان لقدرات نووية بل جعلهما ينضمّان إلى مجموعة الدول النووية، ولم يفعل شيئاً إزاء وقف البرنامج النووي الكوري الشمالي، ولا يزال «الغرب» يتواطأ، مع القدرات النووية الإسرائيلية، ما يثير السؤال حول أسباب كل هذه الضجّة بخصوص إيران وبرنامجها النووي.
هل يشكّل الأخير، إن كان مدنياً أو غير مدني، أي تهديد لأميركا التي تملك قدرات نووية هائلة؟ وهل يشكّل ذلك تهديداً لأوروبا «الغربية» التي تملك منها فرنسا وبريطانيا، أيضاً، قدرات نووية يعتدّ بها؟
الإجابة عن هذا السؤال، تذهب باتجاه الدولة العبرية التي تنفخ في التهديد الإيراني الذي تعتبره وجودياً.
صحيح أن امتلاك إيران لأسلحة وقدرات فتّاكة يشكّل تهديداً لدولة الاحتلال التي يصرّ القادة الإيرانيون على اجتثاثها، ولكن ألم تثق في مواقف الدول «الغربية» الحليفة التي تعلن صباح مساء أنها لن تمكّن إيران من امتلاك برنامج نووي حربي؟
بالإضافة إلى مخاوف دولة الاحتلال، يشكّل الحديث عن تهديد إيراني في حال امتلاك قدرات نووية ذريعة لتصعيد مخاوف دول الخليج العربي، التي كانت لفترة طويلة تدير سياسة تضع إيران في مقدّمة التهديدات الخطيرة لمصالحها، الأمر الذي يفترض أن يمهّد لتوسيع «اتفاقات أبراهام» بذريعة تلاقي المصالح الإسرائيلية والخليجية ونحو التصدّي المشترك لتلك التهديدات.
وعلى الرغم من أن الأحداث القريبة، خصوصاً بعد القصف الإسرائيلي لقطر، والسياسات الإسرائيلية التي تستهدف الأمن القومي السعودي والمصري، بالإضافة إلى التطمينات الإيرانية لدول الجوار، عطّلت توسيع «اتفاقات أبراهام»، إلا أن أميركا أخذت على عاتقها مواصلة العمل لمنع إيران من تطوير برنامجها النووي أمنياً كان أم مدنياً.
الأصل في الموضوع دولة الاحتلال، فلقد رفض بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» لارتكابه جرائم حرب في قطاع غزّة، الاتفاق السابق عام 2015، وظلّ يحرّض على التخلّص منه إلى أن بادر ترامب إلى إلغائه.
تصاعدت حملة التحريض الإسرائيلية لمنع التوصّل إلى أي اتفاق إلّا في حال قبول إيران الشروط التعجيزية التي طرحها نتنياهو.
في الواقع، لم يكن ممكناً أن تقبل إيران بالشروط الإسرائيلية التي يحملها بكلّ أمانة ودقّة الجانب الأميركي، حيث كانت المفاوضات السابقة مجرّد ذريعة لضربها خلال العام المنصرم.
خلال حرب الـ12 يوماً، كان الهدف الأساسي إسقاط النظام وادّعى الطرفان، الأميركي والإسرائيلي، أنهما حقّقا إنجازاً هائلاً بتدمير القدرات النووية الإيرانية، والبرنامج الصاروخي.
إن كان ذلك الادعاء صحيحاً، فلماذا العودة للتهديد بشنّ حرب إلّا إذا كان الهدف الأساسي لم يتحقّق، وبعد أن فشلت محاولات إسقاط النظام من خلال الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران خلال الأشهر السابقة.
يتّضح من خلال مجريات الأوضاع أن إسقاط النظام في إيران هو المفتاح الرئيس لإعادة هندسة المنطقة برمّتها وفق الرؤية الإسرائيلية الأميركية والغربية عموماً، فضلاً عما ينتج عن ذلك من اختراقات للمصالح الصينية.
ثمّة عملية خداع كبرى منسّقة بين الإدارة الأميركية ودولة الاحتلال، إذ يبدو أن اللقاء الأخير بين نتنياهو وترامب، لا ينطوي على خلاف كما أُشيع وإنّما تظاهرا بخلاف، لكن ذلك لم يؤدّ إلى استرخاء الجانب الإيراني الذي ذهب إلى المفاوضات، واليد على الزناد.
يحاول ترامب تشتيت الانتباه، فيتحدث مرّة عن ضربة محدودة تستهدف بعض الرؤوس والمؤسّسات الأمنية، ومرّة وكأنه سيشنّ حرباً شاملة، وأخرى محدودة لأيام، بينما يستمرّ الحشد الأميركي الحربي بكل ما تملك أميركا من إمكانيات. مئات الطائرات من كافّة الأنواع والخدمات العسكرية، وحاملتا طائرات، مع مجموعات مساندة من المدمّرات، وجسر جوي لا يتوقّف، وتقول القناة الإسرائيلية الـ»14»: إن ثمّة احتمالاً لإرسال حاملة طائرات «بوش».
ترامب أطلق تهديداً إضافياً بأن بلاده ستستخدم قواعدها الموجودة في الفضاء، وإذا كان ترامب يواصل تشتيت الانتباه، فإن دولة الاحتلال تستبعد حصول اتفاق بسبب الهوّة الواسعة بين الطرفين.
ليندسي غراهام السيناتور «الجمهوري» اللصيق بترامب، كان أكثر صراحة ووضوحاً حين قال خلال زيارته لدولة الاحتلال مؤخّراً: إن أميركا والأخيرة على وشك القضاء على أكبر دولة داعمة للإرهاب، على حدّ زعمه.
غراهام، فضح المستور حين شدّد على عدم وجود أي خلاف بين نتنياهو وترامب بشأن كيفية التعامل مع طهران، واعتبر أن نجاح الضغط المشترك مع الشعب الإيراني قد يفتح الباب أمام فجر جديد في المنطقة. ووصف علي خامنئي بالنازي الديني، وقارنه بأدولف هتلر.
وأخيراً، حدّد ترامب مهلة 10-15 يوماً للتوصّل إلى اتفاق، والسؤال: هل يمكن أن تكون هذه الفترة كافية للتوصّل إلى اتفاق متعدّد القضايا الصعبة، التي لم تفلح كل السنوات السابقة في معالجتها، أم أن الأمر، يتعلّق باستكمال الحشود العسكرية اللازمة؟ 
القناة الإسرائيلية الـ»14» أشارت قبل أيام قليلة إلى أن حاملة الطائرات «فورد» تحتاج إلى 10 أو 12 يوماً للوصول، ما يتطابق مع المهلة الزمنية التي حدّدها ترامب.
في الواقع، إن هذا الحشد الهائل في دولة الاحتلال ومن قبل أميركا، والذي يكلّف مئات ملايين الدولارات، لا يمكن أن يندرج في إطار سياسة التهديد والاحتواء، والأرجح أن حرباً كبيرة قد تندلع في أيّ لحظة.