لم تعد مأساة غزة مجرد فصل دموي في صراع طويل، بل لحظة كاشفة لانهيار معنى السياسة نفسها في الحالة الفلسطينية. فليس الدمار وحده ما يصدم، ولا أعداد الضحايا التي تجاوزت قدرة الأرقام على التعبير، بل ذلك الشعور الثقيل بأن ما يحدث كان يمكن في لحظة ما، ألا يحدث، وأن الطريق إلى الكارثة لم يكن قدراً أعمى، بل مساراً بشرياً من القرارات والأوهام وسوء التقدير.
قبل أقل من عقدين، أُتيح لقطاع غزة (للمرة الأولى منذ عقود )هامش محدود لاختبار فكرة الكيان الفلسطيني القابل للحياة على جزء من الأرض. لم تكن السيادة مكتملة، ولم تكن القيود غائبة، لكن الإمكانية كانت موجودة: بنية تحتية قيد التطوير، اقتصاد يتحرك ببطء، اتصال نسبي بالعالم، وأهم من ذلك قابلية لتراكم الإنجاز. في مثل هذه اللحظات لا تُبنى الدول دفعة واحدة، بل تتشكل عبر تحويل الهامش إلى قاعدة، والمؤقت إلى دائم. غير أن ما حدث هو العكس: تحوّل الهامش إلى قطيعة، والمؤقت إلى انسداد، والفرصة إلى نقطة بداية لمسار تنازلي طويل.
ما جرى بعد ذلك لم يكن مجرد تنافس سياسي داخلي، بل انقلاب في فهم معنى السلطة نفسها. فقد سيطرت حركة دينية مصلحية لم تختبر الحكم من قبل، ولم تُعدّ أدواته، ولم تُدرك أن إدارة مجتمع محاصر تتطلب براغماتية قاسية لا أيديولوجية مغلقة، وأن السلطة ليست امتداداً للمقاومة بل نقيضها الوظيفي في كثير من الأحيان. وهكذا نشأ في غزة كيان هجين: لا هو دولة قادرة على حماية سكانها، ولا حركة تحرر قادرة على تغيير ميزان القوى، بل سلطة بلا سيادة، ومواجهة بلا أفق، وإدارة يومية للبقاء تُقدَّم بوصفها استراتيجية تاريخية، بل فكرة خدمت الاحتلال أكثر مما خدمت الفلسطينيين. ومع كل جولة عنف، كانت الكلفة تُدفع من جسد المجتمع لا من حسابات السياسة، فيما بقيت اللغة ذاتها تتكرر: صمود، انتصار، تضحيات… وكأن الكلمات يمكن أن تعيد بناء مدينة، أو تعيد طفلاً إلى الحياة، أو تمنح جيلاً سبباً للبقاء.
لم يكن الحصار وحده ما خنق غزة، بل أيضاً انغلاق النظام الذي حكمها على نفسه، واعتماده على الولاء بدل الكفاءة، وعلى الزبائنية بدل المؤسسات، وعلى يقين عقائدي يرى المراجعة ضعفاً لا ضرورة. في مثل هذه الأنظمة، لا تتراكم الأخطاء فقط، بل تتراكم معها القدرة على إنكارها، حتى يصبح الاعتراف بالحقيقة أخطر من استمرار الكارثة.
ومع مرور الوقت، لم تعد غزة مجرد منطقة محاصرة، بل مجتمعاً مستنزفاً يتآكل اقتصادياً ونفسياً وديموغرافياً، بينما يُطلب منه أن يواصل أداء دور البطولة في مسرحية لا يملك تغيير نصها. وهنا يتحقق أخطر أشكال الفشل السياسي: حين تتحول السلطة من أداة لحماية المجتمع إلى عبء عليه، ومن وعد بالمستقبل إلى إدارة دائمة للألم.
في هذا السياق، لا يبدو اجتماع ما يسمى مجلس السلام حول غزة حدثاً استثنائياً بقدر ما يبدو النتيجة المنطقية لمسار طويل من فقدان الفاعلية. فالعالم، حين لا يجد شريكاً سياسياً قادراً على التمثيل أو الحكم أو تقديم تصور قابل للحياة، لا يترك الفراغ فارغاً؛ بل يملؤه بترتيبات إدارية وأمنية وإنسانية، لا حباً بالشعوب بل خوفاً من الفوضى. وهكذا يُناقش مصير مليوني إنسان من دون حضورهم الفعلي، لا لأن العالم قرر فجأة سلبهم حقهم، بل لأنهم بفعل الانقسام وسوء الحكم، فقدوا القدرة على فرض أنفسهم طرفاً لا يمكن تجاوزه. الوصاية لا تُعلن دائماً بقرار رسمي؛ أحياناً تتشكل بهدوء حين يتحول شعب من صاحب قضية إلى موضوع إدارة، ومن فاعل في التاريخ إلى ملف على طاولة البيروقراطيات الدولية.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد مأساة إنسانية، ولا حتى هزيمة سياسية، بل تحوّل عميق في موقع الفلسطيني داخل معادلة الصراع: من طرف يطالب بحقوقه إلى مجتمع يُبحث في كيفية إطعامه وإيوائه ومنع موته الجماعي. وهذه النقلة لا يمكن تفسيرها بالقوة الإسرائيلية وحدها ولا بتواطؤ العالم وحده، بل أيضاً بفشل داخلي في بناء نموذج حكم قادر على الصمود، وفي إدراك أن الشعوب لا تُدار بالشعارات بل بالمؤسسات، وأن الكرامة الوطنية لا تُحفظ بإدامة المعاناة بل بتقليلها، وأن البطولة الحقيقية ليست في القدرة على الموت بل في القدرة على حماية الحياة.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذه اللحظة ليس ما فقدته غزة من عمران أو بشر، بل ما قد تفقده القضية الفلسطينية من معنى. فالقضايا لا تموت عندما تُقهر، بل عندما تفقد قدرتها على تقديم أفق قابل للتخيل. وإذا استقر في وعي العالم أن غزة ليست مشروع مجتمع يمكن إنقاذه بل مشكلة يجب احتواؤها، فإن الطريق إلى الحل العادل يصبح أطول بكثير من طريق إعادة الإعمار. التاريخ مليء بشعوب دُمّرت مدنها ثم نهضت، لكنه أيضاً مليء بقضايا عادلة تآكلت حتى اختفت لأنها عجزت عن تجديد نفسها، أو لأن من تولوا قيادتها ظنوا أن الزمن يعمل لصالحهم بينما كان يعمل ضدهم.
ليست المشكلة إذن أن العالم يجتمع ليتحدث عن غزة، بل أن غزة لم تعد قادرة على أن تتحدث عن نفسها بصوت مسموع. وليس أخطر ما في الحروب أنها تقتل الناس، بل أنها قد تقتل السياسة التي تحميهم. وإذا كان لا بد من درس قاسٍ يُستخلص من هذه السنوات، فهو أن الشعوب لا تُهزم فقط عندما يتفوق خصومها، بل أيضاً عندما يُدار مصيرها بعقلية لا ترى في السلطة مسؤولية بل امتيازاً، ولا في المجتمع غاية بل وسيلة، ولا في السياسة فناً لإنقاذ الممكن بل خطاباً لتبرير المستحيل.
غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا منكوبة، بل الشاهد الأخير على ما يحدث حين تفقد السياسة قدرتها على حماية شعبها. فالأوطان لا تضيع فقط حين تُحتل، بل حين يصبح مصيرها موضوعاً للنقاش بين الآخرين لا قراراً يصنعه أبناؤها. وعندها لا يكون السؤال كيف نعيد بناء ما تهدّم، بل كيف نعيد بناء القدرة على أن نقرر لماذا نبنيه.


