بقبضات تتحدى الإبادة.. فتيات من غزة يحولن خيام النزوح إلى حلبات للملاكمة

الإثنين 16 فبراير 2026 07:32 ص / بتوقيت القدس +2GMT
بقبضات تتحدى الإبادة.. فتيات من غزة يحولن خيام النزوح إلى حلبات للملاكمة



غزة /سما/

في قلب منطقة المواصي بخان يونس، حيث يلتحف آلاف النازحين السماء، تبرز قبضات صغيرة لفتيات غزة وهي تضرب أكياساً محشوة بالرمل عُلقت على عجل بين أوتاد الخيام. هذه المشاهد ليست مجرد تدريبات رياضية عابرة، بل هي صرخات رفض مدوية في وجه واقع قسري فرضته حرب الإبادة المستمرة، حيث تحولت الملاكمة من رياضة للمنافسة إلى سلاح للصمود النفسي.

بأعمار لم تتجاوز السادسة عشرة، تتحدى هؤلاء الفتيات غارات الاحتلال التي لا تهدأ، متخذات من 'حلبات النزوح' الترابية مكاناً لمواجهة الخوف الدفين. بدأت الحكاية بإمكانات شبه معدومة، حيث تفتقر الصغيرات لأدنى مقومات السلامة الرياضية، ويفترشن الأرض اليابسة بلا فرش حماية أو قفازات احترافية، في إصرار واضح على استمرار الحياة رغم انعدام الوسائل.

ويستذكر المدرب أسامة أيوب، الذي يشرف على هذه التدريبات، البدايات القاسية حين أحرق جيش الاحتلال النادي المخصص لهذه الرياضة في أشهر الحرب الأولى. وأفادت مصادر بأن المدرب نجح مع تلاميذه في انتزاع كميات محدودة من الأدوات الرياضية من تحت الركام، ليعيدوا بناء حلمهم وسط ساحة ترابية تفتقر لأبسط التجهيزات لكنها تفيض بالإرادة.

ويؤكد أيوب أن مهمته تتجاوز الجانب البدني إلى صقل شخصيات الفتيات وغرس العزيمة في نفوسهن لمواجهة تداعيات النزوح المريرة. ويرى المدرب أن ممارسة 'الفن النبيل' تمد الفتيات بطاقة إيجابية هن في أمس الحاجة إليها، خاصة في ظل غياب أي مرافق آمنة أو نوادٍ مجهزة تحميهن من الصدمات الجسدية والنفسية التي خلفتها الحرب.

وسط خمسين خيمة للنزوح، تتعالى هتافات تشجيعية غير مألوفة لمبارزات رياضية تقودها فتيات يحلمن بالوصول إلى المحافل الدولية ورفع علم فلسطين عالياً. هذا الطموح يتمرد على إغلاق المعابر وأصوات الانفجارات المستمرة، حيث ترى الفتيات في كل لكمة خطوة نحو كسر الحصار النفسي والمكاني الذي يفرضه الاحتلال على تفاصيل حياتهن اليومية.

غزل رضوان، التي نزحت من مخيم جباليا إلى المواصي، تعبر عن أملها في أن تصبح بطلة عالمية يوماً ما، مؤكدة أن الملاكمة كانت درعها الحصين لمواجهة نوبات الخوف. وتشاركها ميار أيوب، النازحة من مدينة غزة، هذا الإصرار، مشيرة إلى أن تدمير الاحتلال لناديهن الخاص لم يكن نهاية الطريق، بل كان حافزاً للاستمرار رغم النقص الحاد في المعدات والملابس الرياضية.

وتشير المعطيات الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن قوات الاحتلال دمرت نحو 292 منشأة وملعباً رياضياً في مختلف أنحاء قطاع غزة خلال عامين. هذا التدمير الممنهج أدى إلى شلل تام في الأنشطة الرياضية الرسمية، مما جعل المبادرات الذاتية التي يطلقها المدربون بجهود فردية هي المتنفس الوحيد لتفريغ الطاقة السلبية لدى الأطفال والشباب تحت ركام الحرب.