من حلم السيادة إلى الإدارة الوظيفية: قراءة بنيوية في صمت السلطة الفلسطينية ..جمال خالد الفاضي

الأربعاء 04 فبراير 2026 12:17 م / بتوقيت القدس +2GMT
من حلم السيادة إلى الإدارة الوظيفية: قراءة بنيوية في صمت السلطة الفلسطينية ..جمال خالد الفاضي



في لحظات التحول التاريخي لا يوجد فراغ في السياسة. فكما أن الفعل يُنتج دلالته، فإن الامتناع عنه يحمل معنى سياسيًا لا يقل أثرًا. ومنذ اندلاع الحرب على غزة وما تلاها من حراكات سياسية ودبلوماسية إلى اليوم، بدا موقف السلطة الفلسطينية أقرب إلى الانكفاء الإداري منه إلى الحضور السياسي الفاعل، ما يثير تساؤلًا يتجاوز توصيف الأداء إلى تفكيك بنيته: هل نحن أمام إخفاق قيادي ظرفي، أم أمام أزمة بنيوية في نموذج السلطة ذاته، أم نتيجة إعادة هندسة دورها تحت منظومة ضغوط داخلية وخارجية؟ تنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن الصمت هنا ليس غيابًا عابرًا، بل تعبير عن تحوّل وظيفي في طبيعة السلطة السياسية الفلسطينية.

في هذا السياق، يقدّم فرانسيس فوكوياما إطارًا تحليليًا محوريًا لفهم أداء الكيانات السياسية، حيث يرى أن جوهر الدولة الحديثة يقوم على ركيزتين متلازمتين: الشرعية الشعبية والقدرة المؤسسية المستقلة على الفعل. وعندما تفقد السلطة إحدى هاتين الركيزتين أو كلتيهما تتحول من كيان سياسي فاعل إلى بنية هشة وظيفية تعتمد على الخارج أكثر مما ترتكز على مجتمعها. في الحالة الفلسطينية، تآكلت الشرعية بفعل غياب الانتخابات، وانفصال القيادة عن القاعدة الاجتماعية، والفشل في تحقيق أي أفق سياسي ملموس. في المقابل، جرى تقييد القدرة المؤسسية عبر الارتهان المالي، والضبط الأمني، والتحكم الخارجي بمسارات القرار، ما أفرز سلطة قائمة شكليًا لكنها محدودة السيادة فعليًا. من جهتها، تُكمل أطروحات تشارلز تيلي هذا التحليل، من خلال تأكيده أن السلطة السياسية الحقيقية تتشكّل حين تنجح جهة ما في احتكار أدوات القرار السيادي وتنظيم المجتمع حول مشروع سياسي جامع. غير أن السلطة الفلسطينية نشأت منذ البداية ضمن منظومة قيود حالت دون امتلاكها سيادة فعلية على الأرض أو القرار الأمني، كما حالت دون تطوير مشروع تعبئة وطنية قادر على تحويلها إلى سلطة تحرر وطني. وبذلك لم تتطور بوصفها قيادة سياسية للصراع، بل كجهاز لإدارة أزمة دائمة في ظل الاحتلال، وهو ما يفسّر محدودية حضورها في لحظات المواجهة الكبرى.

في أدبيات العلاقات الدولية، تُعرَّف الدولة الضعيفة، بأنها الكيان الذي يعتمد على الخارج للبقاء، ويفتقر لثقة مجتمعه، ويعجز عن فرض قراره السيادي، ويتحوّل تدريجيًا إلى مؤسسة خدمات لا قيادة سياسية. هذا الوصف ينطبق بدرجة كبيرة على الحالة الفلسطينية الرسمية اليوم، حيث يصبح سلوك السلطة خلال حرب غزة تعبيرًا بنيويًا عن طبيعتها الوظيفية، لا مجرد تقصير ظرفي في الأداء. من جهة أخرى، يثير غياب الفعل السياسي للسلطة سؤالًا مركزيًا حول دوافعه: هل هو خيار ذاتي أم نتيجة إكراهات خارجية؟

تشير القراءة الاستراتيجية إلى تداخل العاملين معًا. عامل داخلي، يبرز الخوف من فقدان السيطرة في الضفة الغربية، والقلق من صعود قوى تمتلك شرعية شعبية أوسع، وغياب رؤية تحررية جديدة قادرة على استعادة المبادرة. بينما يتجسد العامل الخارجي، بالضغوط في الضبط المالي المشروط، والوظيفة الأمنية المحددة، ومنع أي تموضع سياسي تصادمي قد يهدد منظومة الاستقرار المُدار. وبذلك جرى إعادة تعريف دور السلطة من قيادة مشروع وطني تحرري إلى إدارة استقرار هش يخدم توازنات خارجية أكثر مما يعبّر عن تطلعات المجتمع.

الخطر المتبلور في هذا المسار يتمثل في نتائج بنيوية متراكمة: تآكل متسارع للشرعية السياسية، تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها التحرري، تحويل الصراع إلى أزمة إنسانية تُدار بالمساعدات، وفتح فراغ قيادي قابل للانفجار، والأكثر خطورة، أن المجتمع الدولي بدأ بالتعامل مع فلسطين كملف إغاثي لا كقضية حقوق وسيادة. وهذا يعني أن ما يجري لا يشبه انهيارًا مفاجئًا للسلطة، بل عملية تفكك تدريجية تتجلى في تحجيم دورها السياسي، وربط بقائها بالوظيفة الأمنية، وفقدان ثقة المجتمع، وشلل القدرة على المبادرة الوطنية. وهو ما تصفه النظريات المؤسسية بـ التآكل البطيء للشرعية والقدرة معًا.

ورغم مركزية الفساد في إضعاف الثقة العامة، إلا أنه لا يشكّل الجذر الحقيقي للأزمة. فالأخطر أن بنية السلطة ذاتها صُممت لتكون محدودة السيادة، تابعة التمويل، بلا أفق تحرري مستقل. ضمن هذا الإطار الهش ازدهر الفساد بوصفه نتيجة طبيعية لا سببًا وحيدًا للانهيار.

تشير هذه القراءة إلى أن الخروج من المأزق لا يتحقق عبر إصلاحات إدارية جزئية، بل عبر إعادة تأسيس سياسية شاملة تشمل: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية تمثيلية، تجديد الشرعيات الشعبية، واستعادة خطاب التحرر الوطني، ونقل الصراع إلى ساحات القانون الدولي، وبناء تحالفات شعبية عابرة للحدود. فما تشهده الساحة الفلسطينية اليوم لا يمكن اختزاله في فشل قيادة أو سوء إدارة أزمة، بل يعكس أزمة نموذج سياسي نشأ في سياق تاريخي لم يعد قائمًا. ويبقى السؤال الاستراتيجي المفتوح: هل يتجه الفلسطينيون نحو إعادة تأسيس مشروع وطني تحرري جديد يعيد للسياسة معناها، أم نحو استمرار الذوبان البطيء للقضية داخل منظومة إدارة الأزمات؟.