منذ اغتيال المبحوح في دبي، تحتفل وسائل الاعلام العالمية في عرض شبه يومي لقائد شرطة دبي، الجنرال ضاحي خلفان تميم. لقد صرح بأن الموساد الاسرائيلي يقف وراء الاغتيال بنسبة 99 في المائة ان لم نقل مائة بالمائة. تبدو الاشارة الى اسرائيل والى الموساد كجهة تقف وراء الاغتيال شبه طبيعية لكن من أجل التدريب الذهني، تعالوا نفحص عن امكان آخر. سآتي باختصار بقصة حقيقية من الماضي لاثبات الى أي حد يمكن التلاعب بالرأي العام. في اثناء أكثر الحرب العالمية الاولى رفضت الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس ودرو ولسون، التدخل الى جانب قوى الحلفاء – بريطانيا وفرنسا وايطاليا وروسيا – التي حاربت قوى المركز – الامبراطورية العثمانية وألمانيا والامبراطورية النمساوية – الهنغارية. اعتقد ويلسون ان الطريق الصحيح لانهاء الحرب سيكون اتفاقا يحرز بتفاوض بلا منتصرين تعمل فيه الولايات المتحدة وسيطة. بعد سنتين ونصف سنة من نشوب الحرب بدأ يلوح أنه اذا لم تتدخل الولايات المتحدة فان المانيا وحليفاتها ستنتصر آخر الأمر. وأصبح واضحا أنه اذا نجحت قوى الحلفاء في أن تجر الولايات المتحدة الى التدخل الى جانبها فقط، برغم رأي الرئيس فانها ستنتصر وإلا فان وضعها سيسوء. أفضى من رأس استخبارات الأسطول الانجليزي، الادميرال وليام ريجينلد هول الى تغيير اتجاه التاريخ بأن حصل على المسدس المدخن الذي اضطر ويلسون الى التدخل في الحرب. توجد تفصيلات القصة الآسرة في كتاب المؤرخة باربرا توخمان، "برقية تسيمرمان" الذي صدر في سنة 2003 عن دار دابير. فبهدوء وبغير لفت انتباه، بسط الأدميرال هول شبكة تجميع معلومات استخبارية محكمة سرية نجحت في تحليل شفرة مواصلات المانيا العسكرية والسياسية. سمي ذلك الجهاز باسم "الغرفة 40". تم بواسطة الجهاز تحليل برقية من أرثر تسيمرمان وزير الخارجية الالماني، تشجع حكومة المكسيك على بدء نشاط عسكري على حدود الولايات المتحدة لشد قوات الجيش الامريكي الى مواقعها في الوقت الذي تبدأ فيه المانيا حرب غواصات غير محدودة في المحيط الاطلسي كي تهزم أعداءها. عوض ذلك اقترح تسيمرمان على رئيس المكسيك مالا كثيرا وتفهما المانيا لاحتلال المكسيك لما لا يقل عن تكساس ونيومكسيكو وأريزونا. هنا تظهر صلة ذلك بشأننا. كان الادميرال هول في معضلة جدية. فمن جهة أمسك بيده ورقة اللعب الغالبة. ومن جهة ثانية لم يخطر في باله أن يكشف عن أن الشفرات الالمانية حللت وأن يحرق بذلك الآلة المطورة لتجميع المعلومات الاستخبارية المنقحة عن العدو زمن الحرب. وعلى ذلك خطط ونفذ سلسلة أعمال للطمس على مصدر المعلومات قبل أن تسلم البرقية الى ويلسون. أطال هذا الاجراء الحرب اسبوعا لكنه حافظ على التفوق الاستراتيجي. برغم أن رئيس الولايات المتحدة تلقى البرقية من بريطانيا نشر أن الولايات المتحدة ضبطت البرقية في بريد مكسيكو سيتي، برغم أنها لم تصل الى هناك البتة. فمن أجل ذلك أرسل الى البريد عملاء لتزييف البرقية مع أختام أصيلة. نجح هول في احداث غطاء دخان أبعد عنه أية شبهة. بل انه بادر في الصحف الانجليزية الى نقد لاذع قاتل عليه وعلى "اخفاقه" في الحصول على المعلومات الحيوية، طلب الاستبدال به. هكذا يعمل عالم الاستخبارات. ان المعلومات عن مواطنين اسرائيليين ذوي جنسية مزدوجة موجودة عند دول كثيرة يسيحون فيها مع الجواز الأجنبي (لأن هذا أسهل) لكنهم يذكرون عنوان سكن ثابتا في البلاد. لهذا فحقيقة أنه سرقت هويات هؤلاء الاشخاص لا تشير بالضرورة الى الموساد. التضليل والطمس على الآثار هما اسم اللعبة، ورأينا أنه قد كانت منظمات استخبارية عرفت فعل ذلك منذ زمن على نحو غير سيء.