ليس الدمار أول ما تتركه الحروب، بل الصمت الذي يلي الانفجار،والفراغ الذي يتسلل إلى النفوس حين تنهار فكرة الأمان إلى الأبد.ففي الحروب الكبرى، لا تُستهدف المدن وحدها، بل تُستهدف البنية العميقة للإنسان: ذاكرته، توقعاته، وإحساسه بالمستقبل. فالهدف الأخير للعنف الكاسح ليس الجسد وحده، بل الوعي: كيف يفكر، ماذا يتوقع، وما الذي يجرؤ على تخيّله عن مستقبله. وفي غزة، لا يبدو ما جرى ويجري مجرد حرب تقليدية، أو مجرد حرب جغرافيا مدمرة، بل عملية طويلة ومنهجية لـ"كيّ الوعي"، حيث يُدفع الإنسان إلى إعادة تعريف معنى الحياة، والأمان، والكرامة، وحتى الأمل.أنها بل فضاء نفسي يُعاد تشكيله تحت ضغط الصدمة الجماعية المستمرة.
يعرّف عالم النفس "كارل يونغ الصدمة الجمعية"، بأنها لحظة عنف تتجاوز قدرة الفرد على الاستيعاب، فتُخزَّن في اللاوعي الجمعي وتعيد توجيه السلوك الاجتماعي طويل الأمد. وفي غزة، لم تعد الصدمة حدثًا استثنائيًا، بل حالة دائمة. القصف المتكرر، الفقد المتراكم، وانعدام الأمان المستمر أنتجوا ما يسميه علماء النفس بـ"الإجهاد الصدمي المزمن". وحين تصبح الصدمة مستمرة لا منقطعة، يتحول الوعي من التفكير بالمستقبل إلى التكيّف مع الخطر الدائم. وكما كتب الطبيب النفسي بيزيل فان دير كولك: الصدمة لا تعيش في الذاكرة فقط، بل في الجسد، وفي طريقة إدراك العالم، وغزة اليوم تدرك العالم بوصفه مساحة تهديد دائم، لا أفق حياة.
في علم النفس الاجتماعي، يُعرف مفهوم تقلّص الأفق الزمني، حيث تتقلص قدرة الإنسان على التخطيط للمستقبل تحت الضغط الشديد. في المجتمعات المنكوبة، يتحول السؤال من: ماذا سأكون بعد سنوات؟ إلى: هل سأعيش حتى الغد؟ وهذا التحول ليس ضعفًا فرديًا، بل آلية بقاء. لكن خطورته تكمن في إعادة صياغة الوعي الجمعي حول الحد الأدنى من الحياة بدل حق الحياة الكريمة.
من جهتها، ترى "نعومي كلاين" في عقيدة الصدمة، أن الصدمات الكبرى تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمعات سياسيًا ونفسيًا، لأن الإنسان المصدوم أقل قدرة على المقاومة وأكثر قابلية للقبول بالواقع المفروض. وفي السياق الاستعماري، حلّل "فرانز فانون" كيف يعمل العنف المفرط على تفكيك الذات الجماعية للشعوب المقهورة، ليس فقط عبر القتل، بل عبر تحويل الخوف إلى بنية داخلية. العنف هنا لا يهدف فقط إلى الردع، بل إلى إنتاج إنسان يتعايش مع القهر كقدر.
ما فعلته إسرائيل في غزة لا يمكن قراءته فقط بوصفه حربًا عسكرية، بل بوصفه المرحلة الأولى من عملية أوسع لإعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني عبر الصدمة القصوى. فالتدمير المنهجي للأحياء السكنية، واستهداف المستشفيات والمدارس، وتحويل الحياة اليومية إلى تجربة رعب دائمة، يتجاوز منطق الردع إلى منطق إنهاك المجتمع نفسيًا حتى يصبح البقاء هو القيمة العليا.
لكن الأخطر لا يأتي مع القنابل، بل بعد صمتها. حين تُطرح مشاريع الإعمار بوصفها طريق الخلاص الوحيد، دون معالجة جذور الاحتلال والظلم البنيوي، تتحول من فعل إنساني إلى أداة سياسية ناعمة لإعادة برمجة الوعي: حياة مقابل هدوء، واستقرار مقابل صمت سياسي. وهكذا تكتمل دائرة كيّ الوعي: عنف يكسر الإنسان، ثم إعمار يعيد تشكيله ليقبل واقعًا كان يرفضه قبل الصدمة.
ومع ذلك، لا يقدّم علم النفس صورة واحدة قاتمة. ففي مقابل الانهيار، يظهر ما يُعرف بـ"النمو ما بعد الصدمة"، حيث يولّد الألم وعيًا أكثر عمقًا وصلابة ووضوحًا للذات والعدو والعالم. كثير من المجتمعات الخارجة من الحروب أنتجت أجيالًا أكثر راديكالية في مطالبها بالحرية والعدالة. وفي غزة، يتجاور الإنهاك مع وعي حاد، يرى الواقع بلا أوهام سياسية ولا وعود فارغة. إنه وعي مولود من الألم لا من الخطابات. حين يفقد الإنسان كل شيء تقريبًا، يعاد تعريف معنى الكرامة والحق والوجود. الأطفال الذين نشأوا على صوت القصف لا يرون العالم كما رآه آباؤهم. هم أكثر إدراكًا لهشاشة الحياة، وأكثر حساسية للظلم، وأقل قابلية للتطبيع معه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ما يُراد له أن يكون كسرًا للوعي قد يتحول إلى إعادة تشكيله على نحو أكثر صلابة ورفضًا. غزة لن تعود كما كانت، لا عمرانيًا ولا نفسيًا ولا وعيًا. والسؤال ليس فقط كيف ستُبنى البيوت، بل أي إنسان سيسكنها؟ هل يُراد لغزة أن تُنتج إنسانًا مُرهقًا يقبل بأي واقع؟ أم أن الألم الهائل سيُعيد تشكيل وعي أكثر جذرية ورفضًا للظلم؟
في الحروب الكبرى، لا يُعاد رسم الخرائط وحدها، بل يُعاد تشكيل البشر. وغزة اليوم ليست فقط ساحة دمار،
بل مختبرًا قاسيًا لتحولات الوعي الفلسطيني… وتُكتب بدمٍ وذاكرة.


