ان ما تشهده الساحة السورية اليوم لا يمكن قراءته كحراك عسكري تقليدي أو كـ«إعادة بسط سلطة الدولة» فحسب، بل هو مشروع سياسي إقليمي متكامل، تُستخدم فيه البنادق لفرض وقائع تفاوضية جديدة، ويُدفع الكُرد مجدداً إلى واجهة الاستهداف بوصفهم الحلقة الأضعف والأكثر إزعاجاً لمعادلات القوى القائمة .
وما يجري اليوم في سوريا ليس مجرد معركة عسكرية عابرة ولا “ترتيباً أمنياً” كما يُسوَّق له، بل هو فصل جديد من حرب سياسية جيوسياسية تُشنّ بوضوح على الكُرد وقوات سوريا الديمقراطية، تحت عناوين السيادة وبسط النفوذ، فيما الحقيقة أعمق وأخطر: صراع على الطاقة، والمياه، والخرائط، ومن سيكون اللاعب المقبول إقليمياً في مرحلة ما بعد الزلازل الكبرى التي تضرب الشرق الأوسط.
فتقدّم القوات السورية باتجاه دير حافر ليس خطوة تكتيكية معزولة، بل تمهيد محسوب للاستيلاء على سد تشرين وسد البعث، أي مفاتيح الطاقة والمياه في شمال سوريا. هذه السدود ليست بنى تحتية فقط، بل أوراق ضغط استراتيجية بيد قوات سوريا الديمقراطية، شكّلت طوال سنوات الحرب ركيزة الاستقرار النسبي ومصدراً للاستقلال الاقتصادي للإدارة الذاتية الكُردية. ضرب هذه الركائز يعني ضرب جوهر المشروع الكُردي في سوريا، لا مجرد تحجيمه.
فالسلطة الجديدة في دمشق تعتقد أن بوابة الشرعية تمر عبر أنقرة أولاً، وأن أي تقارب جدي مع تركيا مشروط بتصفية أو إضعاف الوجود الكُردي السياسي والعسكري على الحدود. هكذا، تتحول القضية الكُردية إلى عملة سياسية تُقدَّم كعربون الطاعة في بازار التحالفات ؟!
وفي هذا السياق، تبرز نية قوات أحمد الشرع تقليص أو إنهاء الإدارة الذاتية الكُردية كخيار سياسي لا يقل أهمية عن الخيار العسكري. الهدف واضح: إعادة إنتاج مركزية السلطة، وتقديم أوراق اعتماد إقليمية، وعلى رأسها التقرب من تركيا، الدولة التي لم تُخفِ يوماً عداءها لأي كيان كُردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها. سوريا “الجديدة” تحاول أن تقول لأنقرة: نحن شركاؤكم في كبح الكُرد، فلنفتح صفحة جديدة.
لكن الطريق لا يقف عند أنقرة. فالتقرب من تركيا هو بوابة للانفتاح على العراق أيضاً، في محاولة لإصلاح ذات البين بعد سنوات من القطيعة والارتياب. سقوط نظام بشار الأسد، بوصفه نظاماً محسوباً على المحور الشيعي، وصعود سلطة سنية في دمشق، يخلق أرضية سياسية مشتركة مع بغداد، خصوصاً في ظل توتر علاقات الحكومة العراقية مع إقليم كُردستان. هنا تتقاطع المصالح: دمشق وبغداد، كلتاهما تنظران بعين القلق إلى أي تجربة كُردية مستقلة، وكلتاهما تفضلان إضعافها أو احتواءها بدل الاعتراف بها. حيث تحاول دمشق الجديدة إعادة ترميم العلاقات مع بغداد، مستفيدة من التوتر العميق بين الحكومة العراقية وإقليم كُردستان. هنا تتلاقى المصالح مرة أخرى: رفض أي نموذج كُردي ناجح، سواء كان في شمال سوريا أو شمال العراق. الخلافات بين بغداد وأربيل لم تعد شأناً داخلياً، بل أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية ترى في إضعاف الكُرد شرطاً للاستقرار، لا نتيجة له .
ad
إن الحرب السورية على الكُرد اليوم لا يمكن فصلها عن المشهد الإقليمي الأوسع. إيران تغلي من الداخل؛ مظاهرات، احتقان شعبي، وأحاديث متصاعدة عن ضربة أمريكية – إسرائيلية محتملة. هذا الوضع يدفع طهران إلى الانكفاء والحذر، لكنه في الوقت ذاته يخلق فراغاً تحاول قوى أخرى ملأه بسرعة، وفي مقدمتها سوريا الجديدة التي تسعى لإعادة التموضع لكن خارج العباءة الإيرانية . كما ان هذا الضعف النسبي في طهران يربك حسابات حلفائها، ويزرع الخوف في قلوب خصومها. دول الخليج ومصر تراقب بحذر، وتدرك أن أي تغيير جذري في إيران سيُعيد رسم التوازنات من اليمن إلى لبنان، ومن العراق إلى سوريا.
لذا فان هذا التحول المرتقب يثير مخاوف عميقة لدى دول الخليج ومصر، التي تراقب المشهد بقلق بالغ. الجميع يدرك أن سقوط النظام الإيراني – إن حدث – لن يكون حدثاً محلياً، بل زلزالاً إقليمياً سيعيد رسم الخرائط السياسية والطائفية. وفي قلب هذا الزلزال، تقف القضية الكُردية مرة أخرى كملف مؤجل، حساس، وخطير .
و وسط هذا الزلزال، تصبح القضية الكُردية في قلب العاصفة. كُرد سوريا يتعرضون لضغط عسكري وسياسي مباشر. كُرد العراق يواجهون تضييقاً سياسياً واقتصادياً في ظل علاقة متوترة مع بغداد. وبالنسبة لكُرد إيران، فإن أي تغيير جذري في طهران قد يكون فرصة تاريخية للخروج من عقود القمع، لكنه في الوقت نفسه يحمل خطر التحول إلى ساحة صراع بالوكالة، حيث تُستثمر مطالبهم ثم تُترك معلقة على طاولات التفاوض الدولية.فهم يقفون على حافة مستقبل مجهول: هل سيكون سقوط النظام الإيراني فرصة تاريخية لانتزاع الحقوق، أم فوضى جديدة تُستخدم فيها دماؤهم كورقة تفاوض؟
ما يحدث اليوم هو سباق مع الزمن. الأنظمة تحاول تثبيت مواقعها قبل أن تتغير الخرائط، والقوى الإقليمية( تركيا ايران عراق سوريا) تسعى لتصفية الملفات المؤجلة، وعلى رأسها “الملف الكُردي”. والرسالة غير المعلنة واضحة: لا مكان لمشاريع كُردية قوية في الشرق الأوسط الجديد الذي يُعاد تشكيله على وقع الخوف والطاقة والتحالفات.
والمفارقة المؤلمة أن الأنظمة التي فشلت؟ في بناء دول عادلة ما زالت ترى في الكُرد خطراً وجودياً !!، بينما تتجاهل أن جوهر أزماتها يكمن في الاستبداد، لا في التعددية ؟. ما يحدث اليوم ليس حرب دولة ضد “مليشيا”، كما يدعون بل صراع مشاريع: مشروع يسعى لإعادة إنتاج المركزية القمعية، ومشروع كُردي يحاول – رغم كل شيء – تثبيت حقه في الحياة والعيش بسلام وفي إدارة نفسه ضمن جغرافيا مضطربة .
لكن التاريخ علّمنا أن الكُرد، مهما اشتدت عليهم العواصف، لا يخرجون من المعادلة. والسؤال الحقيقي ليس هل ستُضرب الإدارة الذاتية في سوريا، ولا هل ستُحاصر تجربة إقليم كُردستان العراق، بل: هل يستطيع الكُرد هذه المرة تحويل هذا المخاض الإقليمي إلى فرصة مؤاتية يمكن إقتناصها ؟ أم سيُتركون مرة أخرى وقوداً لتفاهمات الآخرين .
والسؤال المصيري لم يعد إن كانت هذه الحرب ستتوسع بل: هل سيُسمح للكُرد هذه المرة بأن يكونوا طرفاً في رسم مستقبل المنطقة، أم سيُعاد دفن قضيتهم تحت أنقاض الصفقات الإقليمية كما حدث مراراً وتكراراً ؟
وأخيراً، لابد من التأكيد أن الشرق الأوسط سيتغير، ومن لا يقرأ اللحظة جيداً قد يجد نفسه مرة أخرى خارج التاريخ .


