ماذا نريد من فتح في عامها الجديد؟ جمال خالد الفاضي

الخميس 01 يناير 2026 12:46 ص / بتوقيت القدس +2GMT
ماذا نريد من فتح في عامها الجديد؟  جمال خالد الفاضي



في عامها الجديد، تقف حركة فتح أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية تفرضها المرحلة وتعقيداتها، وما راكمته السنوات من تحديات أثّرت في حضورها ودورها ومكانتها في الوعي العام. وهي مسؤولية لا تُواجَه بالشعارات، بل بالمراجعة الصادقة، والوضوح، واستعادة المعنى الذي قامت عليه الحركة منذ انطلاقتها الأولى. نريد من فتح أن تعود كما كانت: فكرةً كبرى قبل أن تكون إطارًا تنظيميًا، ومعنىً وطنيًا سبق الشعارات وتجاوز الأسماء، وأن تعيد إلينا معنى الوطن في زمن اختلطت فيه السياسة بالمصالح، وتراجعت فيه القيم التي قامت عليها التجربة الأولى.

نريدها أن تتأمل المسافة التي اتسعت بينها وبين ناسها، لا بوصفها قطيعة مقصودة، بل فجوة صنعتها السنوات وتراكمات الأداء وثقل الواقع. فجوة جعلت الحضور باهتًا أحيانًا، والصوت خافتًا في لحظات كان الناس ينتظرون فيها كلمة واضحة وموقفًا شجاعًا.

ونريد لفتح أن تتحرر من أسر الجمود، وألّا تبقى رهينة قيادات أنهكها الزمن، وتقدّمت فيها المصالح الخاصة على المصلحة العامة، فأصبحت تحدد الاتجاه والفعل والرؤية على حساب روح الحركة ورسالتها. فالتجديد ليس استهدافًا لأشخاص، بل ضرورة لبقاء الفكرة حيّة، وقادرة على الاستجابة لتحديات العصر واستحقاقاته.ونريد لها أن تستعيد سيرتها الأولى، لا بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل باعتبارها معيارًا يُقاس عليه الحاضر. أن تعود إلى التصاقها الحقيقي بجماهيرها، لا عبر المناسبات، بل من خلال حضور يومي يشعر فيه الناس أن الحركة تسمعهم، وتحاسب نفسها أمامهم، وتراجع أدواتها قبل أن تبرّر غيابها.

نريد لها حضورًا يشبه الوطن حين يُخذل أبناؤه ثم ينهض من جديد: حضورًا واعيًا بحجم العاصفة، مدركًا لتعقيد المرحلة، لكنه لا يلوذ بالصمت ولا يكتفي بإدارة الوقت. حضورًا يعترف بأن الغياب طال، وأن الفراغ الذي نشأ لم يكن بلا ثمن، وأن استعادته تتطلّب شجاعة المراجعة قبل شجاعة الخطاب. نريدها وسط أهلها، في عمق قاعدتها الشعبية التي انتظرتها طويلًا ودفعت ثمن الانتظار صبرًا وألمًا. تلك القاعدة التي لم تتخلَّ عنها، لكنها أنهكها الشعور بأن صوتها لم يعد يُسمع كما يجب، وأن دورها تقلّص بينما اتّسعت الأسئلة. 

ونريد لفتح أن تعيد الاعتبار لفنّ السياسة بوصفه مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون إدارة توازنات، وأن تعيد لفكرة المقاومة معناها الجامع، لا كشعار يُردَّد، بل كفعل منضبط مرتبط بالناس وقضاياهم. وأن تعيد للفدائي صورته الأولى: صاحب المبادرة لا المتفرّج، وصاحب الفعل لا المبرّر. لا نريد حضورًا اسميًا موسميًا، ولا استدعاءً رمزيًا في ذكرى الانطلاقة فقط، فذلك لا يكفي لسد فجوة صنعتها سنوات من التباعد. نريد فتح صمّام أمان حقيقيًا، لا بالذاكرة وحدها، بل بالفعل اليومي الذي يعيد الثقة تدريجيًا ويجبر الكسر بهدوء.

نحن، بالفطرة والعقل والمشاعر والقراءة والرؤية، فتحاويون؛ منها نكتب وإليها نعود. لا نطلب المستحيل، بل نطلب أن تُصغي بصدق، وأن تكون أقرب إلى شعبها، أوضح مع نفسها، أجرأ في مراجعتها، وأكثر قدرة على تجديد ذاتها بما يليق بتاريخها ومسؤوليتها. وأن تعيد لشعبها الأمل بدل هذا الألم الممتد، فالأمل لا يُستعاد بالشعارات، بل حين يشعر الناس أن حركتهم ما زالت تراهم، وتشبههم، وتقاتل من أجلهم كما فعلت يوم كانت البداية، لا كذكرى جميلة تُستعاد في المناسبات.