في العالم عشرات ملايين البشر ممن يتمدحون بلقب "عامل دولة"، لكن الدكتور سلام فياض كما يبدو هو الوحيد الذي يستيقظ في الصباح ويمضي ليبني دولة لشعبه. وهو يسلم على كل من يلقاه في طريقه. لا يدعوا رئيس حكومة السلطة الفلسطينية الى تفاوض سلمي، او الى مقاومة عنيفة للاحتلال بل ولا لعصيان مدني. يفعل ذلك قسم رئيس السلطة محمود عباس. كان اشد الاحتجاجات عنفا الذي شارك فيه فياض مراسم احراق سلع تنتج في المستوطنات. سلاحه هو المسؤولية والنجوع والشفافية والصبر خاصة. الكثير من الصبر. تعلم الجيش اليهودي علاج الارهاب، وابتدع الرأس اليهودي "القبة الحديدية" في مواجهة القذائف الصاروخية ونجح المال اليهودي في تثبيط الضغط الامريكي لتجميد البناء في المستوطنات تماما. لكن لا تصور في مراكز القوة في اسرائيل لكيفية مواجهة خبير اقتصاد يبدو مثل مدير فرع مصرف لم يحمل منذ كان مسدسا. في منتصف التسعينيات، عندما عين فياض ممثلا لصندوق النقد الدولي في المناطق، لم يخطر في بال أحد ان خبير الاقتصاد الذي ولد قبل ثمان وخمسين سنة في القرية الصغيرة دير الغصون في محافظة طولكرم، سيصبح في يوم من الايام شخصية سياسية مركزية في الضفة. قدسهفي يوم الثلاثاء الماضي صحبنا رئيس الحكومة الفلسطيني في يوم عمل لعامل في بناء دولة ورأينا كيف يولد نجم فلسطيني. في ساعة مبكرة من الصباح خرجت سيارة المرسيدس السوداء من الدارة المحروسة جيدا في حي بيت حنينا في ضواحي القدس الشمالية، حيث يسكن فياض مع زوجته وابنه الشاب، الذي يدرس في مدرسة ثانوية في المدينة. ابنه البكر ينهي دراسته في جامعة تكساس، وتدرس ابنته في المعهد التكنولوجي في مساشوستس (MIT) في بوسطن.في الثامنة والنصف عرض فياض "مشروعه الانشائي" على وفد من البرلمان الالماني. وقال انه سيفتتح بعد اسبوع في قلقيلية المشروع الالف من الخطة التي كشف عنها في آب الماضي. مع افتراض ان الخلاص لن يأتي من المسيرة السلمية، عرض خطة عمل مفصلة لبناء بنى تحتية ومؤسسات وهي العناصر التي تبنى الدولة منها. قبل سنتين بدأت حكومة فياض تضع الاسس لتحقيق الخطة فقط انفق اكثر من 150 مليون دولار في بناء مئات المدارس ورياض الاطفال، والعيادات والمكتبات والمباني الجديدة لمكاتب الحكومة والبلديات، وفي تحسين شبكة الكهرباء والماء والصرف الصحي وتوسيع الشوارع. اسهمت دول الخليج والولايات المتحدة واوروبا في الجهد.وعد فياض بأن اكثر من نصف ميزانية السلطة هذا العام (1.8 مليار دولار من ضمن 3 مليارات دولار) ستأتي من ايرادات الضرائب ولا سيما غير المباشرة. وهو يؤمل ألا يكون الكيان الفلسطيني متعلقا بعد بإفضال دول اجنبية وان يكفي حاجات سكانه بنفسه.في التاسعة والنصف كان فياض قادرا على ان يستقبل ببشاشة معرفته القديم وزير الخارجية الاسباني ميغيل مورتينوس. قبل الحادية عشرة بقليل حل رئيس الحكومة رباط العنق وخرج في طريقه. ينزل فياض مرة او مرتين في الاسبوع الى الشعب. خرج هذه المرة الى حي ضاحية البريد في بلدة الرام على حدود القدس. مزقها صور الفصل قسمين، وعدا على مصدر عيش مئات العائلات وفصل رجالا فلسطينيين كثيرا، يملكون بطاقات هوية السلطة عن نسائهم وابنائهم الذين حظوا ببطاقات هوية "زرقاء" لسكان شرقي المدينة.رفع فياض القدس في رأس سلم فرحه وأعلن بأن القدس "برغم كل شيء" هي عاصمة فلسطين. ووعد بأنها ستبلغ ان شاء الله البلدة القديمة ايضا والتزم ألا يفصل أي جدار فصل بين الفلسطينيين الذين يعيشون في القدس. بعد ذلك خرجت الحاشية الى المركز الطبي الجديد الذي انشىء في ضاحية البريد بنفقة من حكومة عُمان. ازاح فياض الستار، واهتم بالمعدات الجديدة وسأل عن حال الاطباء والممرضات. كان يلحظ عليه انه تعلم الاستمتاع بالصلة بما يسميه ساستنا "الميدان". الطريق الثالث لكن "ميدانه" ليس فروع الحزب. فلا توجد لحزب فياض "الطريق الثالث" فروع ولم يكد يوجد له ناخبون. ليس فياض عضوا في فتح – الحزب الحاكم في الضفة. في 2001، بتأثير ادارة جورج بوش وضغطها عين ياسر عرفات فياضا وزير الخزانة العامة. في غضون بضعة أشهر أرسل فياض الى البيت اربعين الف موظف من السلطة من الزائدين واغلق عشرات المؤسسات الزكاة لحماس التي كانت غطاء على نشاط المنظمة السياسي والعسكري. في مطلع 2006، قبيل انتخابات المجلس التشريعي، انشأ فياض مع حنان عشراوي وياسر عبد ربه، "الطريق الثالث"، لكنهم فازوا بنائبين فقط. كان تعيين "الموظف" رئيسا للحكومة، في حزيران 2007 قذى في عيون كثير من مسؤولي فتح الكبار. لكن فياضا بالنسبة لعباس ذخر وجودي؛ فما ظل يجري رئيس الحكومة في انحاء الضفة، يستطيع الرئيس ان يجري كما يشاء في انحاء العالم. بل ان وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون اعلمت قبل نحو من سنة رفاقها في "الرباعية" الدولية بأنه اذا استقر رأي الفلسطينيين على تسوية امورهم بغير فياض، فسيضطرون الى تسويتها ايضا بغير المال الامريكي – اي التبرع الذي يبلغ نحوا من نصف مليار دولار كل سنة. اصبحوا يدركون في القدس ايضا ان فياضا مخلوق محمي. عندما يعلق التفاوض ومع عدم وجود عمليات تفجيرية يصعب على الدبلوماسيين الاسرائيليين ان يواجهوا "التسعير" الذي يحده لمضار الاحتلال – قرارات معادية لاسرائيل يبادر اليها في نقاشات في جهات دولية مثل منظمة الدول الصناعية ومنظمة الصحة العالمية. الانباء الاخيرة المنشورة عن الفساد بين مسؤولي السلطة الكبار تسبب لفياض حرجا كبيرا لكنها لا تنسب له ولمقربيه. ليس فياض مع ذلك كله ذا شعبية عند ابناء شعبه. ففي استطلاع قام به في كانون الاول معهد الدكتور خليل الشقاقي يتبين ان 13 في المائة فقط من سكان المناطق اختاروا فياضا نائبا للرئيس الذي يفضلونه – اقل من السجين مروان البرغوث ومن رئيس حكومة حماس في غزة اسماعيل هنية. لكن في مقابلة ذلك منح اربعون في المائة من المستطلعة اراؤهم اداء الحكومة برئاسة فياض درجة "جيد" او "جيدجدا" قياسا بـ 25 في المائة قالوا انه "سيء" او "سيء جدا". عيد غرس الاشجار الفلسطيني لا يوجد في سجل حياة فياض فصل يذكر شروط قبول لوظيفة زعيم منظمة تحرير وطني. لم تهرب عائلته او تطرد من بيتها في 1948 ولم يقض هو نفسه حتى يوما واحدا في سجن اسرائيلي. في حين حقق رفاقه لعمليات في اسرائيل، تعلم الاقتصاد في جامعة تكساس في اوستن. في حرب لبنان الاولى، في 1982، عندما هرب ياسر عرفات الى تونس عين الدكتور فياض عميدا لمعهد الاقتصاد في جامعة اليرموك في الاردن. في 1993، عندما وقع عباس في البيت الابيض على اتفاق اوسلو، الى جنب عرفات واسحاق رابين، وأعد للعودة الى المناطق، جلس فياض آمنا في مكاتب البنك الدولي في واشنطن. "عندما بدأت مسيرة السلام لم اشعر بارتياح"، قال في أحد احاديثه، "لم أحي بسلام مع نفسي. عندما قرأت الصحيفة مع القهوة في الساحة، شعرت بحاجة الى ان اكون جزءا من الامر. هذا شيء اكبر كثيرا من الارتياح والحياة المهنية". المحطة التالية في يوم رئيس الحكومة هي حديقة عامة جديدة في ضواحي الرام. كان ذلك عيد الشجرة الفلسطيني وقال فياض ان المستوطنين يقتلعون الاشجار ويغرس الفلسطينيون الغراس. واضاف "جذورنا تتغلغل اعمق من سور الفصل". صدح النشيد الوطني الفلسطيني من مكبرات الصوت ووقف رجال الشرطة اجلالا. "نحن قريبون جدا من الجدار"، قال فياض "انا على ثقة من ان المستوطنين سمعوا نشيدنا الوطني". يرى من يعد كبير المعتدلين ايضا، شرقي القدس جزءا لا ينفصل من فلسطين، وتعد الاحياء اليهودية فيها مستوطنات. بعد ذلك أتت الحاشية للقاء ممثلي منظمات غير حكومية في الرام. ازدحم مئات الاشخاص في القاعة. بعد ذلك اعترف فياض امامنا بأنه لقي في البدء شكوكا في خطته لبناء دولة تحت الاحتلال، لكنه اضاف انه يشعر في المدة الاخيرة بروح ايجابي. وهو يعلم ان لا احد يفرض على ابناء شعبه ان يأتوا زرافات زرافات للقاءات الجماهيرية التي يعقدها. طلبت ممثلة لمنظمة حماية بيئة ان يساعد في تقديم وعي الموضوع، في حين نفث رجلان بملابس أنيقة جلسوا قربها دخان السجائر في الجو المكتظ. شكت نشيطة في منظمة النساء المحلية من نقص من ملاجىء النساء المضروبات، واحتج رجل في الصف الاول على عدم وصول المعوقين الى مكاتب الحكومة. اذا اردنا الاستنتاج من تعدد المشكلات فان دولة فياض على الطريق بيقين. يزعم منتقدو سياسة فياض انه بدل ان يواجه الجيش الاسرائيلي المقاومة العنيفة للاحتلال، يقوم افراد الشرطة الفلسطينيون بالعمل من اجله. بل اقترح رئيس جامعة القدس البروفيسور سري نسيبة، بسبب السياسة التي يقودها فياض، ان تغلق السلطة مكاتبها وان تطلب الى اسرائيل ضم المناطق ومنح الفلسطينيين حقوق المواطنة. ان الدخول الحر لافراد وحدة الهجرة "عوز" في شوارع رام الله، على مبعدة بضعة شوارع من مكتب فياض، يبين ضآلة لقبه الجليل – "رئيس الحكومة". في مقعد سيارة المرسيدس الخلفي لكن فياضا لا يضيع فرصة ليقول ان الامن مصلحة الفلسطينيين، وان السلطة لا تحسن لاحد عندما تفرض القانون والنظام. وقد وعد المستمعين اليه بأنه لن يبعد اليوم الذي تسيطر فيه قوى الأمن الفلسطينية على جميع مدن الضفة. مع ذلك يعلم فياض ان سقفا زجاجيا يفصل بينه وبين ستين في المائة من مناطق الضفة (المنطقة ج التي تسيطر عليها اسرائيل سيطرة تامة)، وفي ضمن ذلك منطقة التماس وغور الاردن، الى شرقي القدس الذي يسكنه هو نفسه. في مقعد سيارة المرسيدس الخلفي، عندما كان مسرعا الى لقاء في مكتبه في رام الله مع مبعوث الرباعية توني بلير، قال فياض انه يعلم ان الدولة لا تبنى على الاقتصاد وحده ولا على القانون والنظام. لكنه مؤمن بأنه بعد أقل من سنتين، عندما يتم مشروعه، سيصبح الاحتلال في نظر العالم شيئا أكل الدهر عليه وشرب. في المساء قبل وقت قصير من عرضه نظريته على القادمين الى مؤتمر هرتسيليا، تناول فياض طعامه الى جنب الرئيس شمعون بيرس، على مائدة محافظ بنك اسرائيل ستانلي فيشر، وهو من معارفه منذ أيام البنك الدولي. قال بيرس، الذي صحب من قريب رئيس الحكومة الاسرائيلية الاول، ان فياضا هو بن غوريون الفلسطيني: فهو ايضا يبني دولة تحت احتلال اجنبي وبرغم الاحتلال الاجنبي.