يمكن لهذه ان تكون احدى القضايا الاكثر حرجا، التي يشهدها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (ابو مازن) الذي بدأ ولايته في كانون الثاني 2005. عباس، الى جانب رئيس وزرائه سلام فياض، ليس متهما الان بالفساد، ولكن يبدو أن هذه التهمة تطارده مع ذلك، منذ عهد سلفه ياسر عرفات. بالذات الرجل المسؤول عن مكافحة الفساد من جانب المخابرات العامة الفلسطينية، فهمي شبانة، أعلن في الاونة الاخيرة الحرب على السلطة وعلى رئيسها ابو مازن. شبانة، الذي نجح في الكشف عن كيفية سرقة سلسلة من كبار رجالات فتح بشكل منهاجي الاموال من الجمهور الفلسطيني في عهد عرفات، يطلب علنا من ابو مازن اقالة رئيس مكتبه رفيق الحسيني، على قضية جنس تورط فيها، والتأكد من أن يعيد احد قادة فتح مبلغ 2.7 مليون دولار، يزعم شبانة بان هذا المسؤول سرقها من صندوق السلطة الفلسطينية. بزعم شبانة، حذر امام ابو مازن ورئيس الوزراء فياض من قضايا الفساد هذه في الماضي، ولكن لم تتم معالجتها. في حديث أمس مع "هآرتس" في منزله في شرقي القدس حذر شبانة من أنه اذا لم تستجب مطالبه، ففي نيته الكشف في غضون اسبوعين عن قضايا فساد اخرى ستهز الجمهور الفلسطيني والعالم العربي وستوقف الدعم المالي للسلطة. شبانة، ابن 49 سنة، كان مسؤولا في حزيران 2008 عن تصوير رئيس مكتب عباس، الحسيني، في موقف محرج جدا وهو يحتك جسديا بسكرتيرته. صور من الفيلم بثتها أمس القناة 10 لاول مرة. ولكن، قبل نحو سنة اعتقلته قوات الامن الاسرائيلية بسبب نشاطه ضد بيع الاراضي لليهود وبسبب عضويته في هيئة امنية اجنبية، كونه من سكان شرقي القدس. لا ريب لدي ان الاعتقال جاء في اعقاب طلب من السلطة الفلسطينية لمعالجته. ومنذئذ، وهو يحظى بالتجاهل من جانب السلطة التي تمتنع عن تمويل المساعدة القضائية له. يحتمل ان في نظرة الى الوراء، قائد المخابرات العامة في الماضي، توفيق الطيراوي، يندم على اللحظة التي جند فيها شبانة لجهازه، وجعله لاحقا مسؤولا عن تحقيقات الفساد التي تقوم باجرائها المخابرات الفلسطينية. وابدى شبانة علائم ما يسمى "الدافعية الزائدة" ومنذ الاشهر الاولى من عمله طُلب اليه البحث والعثور على مئات ملايين الدولارات التي نقلت الى السلطة الفلسطينية على مدى السنين واختفت من الصندوق العام. وقد نجح في الحصول على أدلة لما يعرفه الفلسطينيون والاسرائيليون: "بلاط" عرفات غرق في الفساد. هكذا، مثلا، في احدى الحالات التي وصلت الى يد "هآرتس" مسؤول كبير في فتح يعمل اليوم ايضا في منصب كبير في السلطة بلغ شبانة نفسه بانه اشترى اراضي في العام 1997 في منطقة قلنديا بمبلغ 2.300.000 دولار. ولكن فحص شبانة أدى به الى معرفة ان الاراضي اشتريت من مجموعة بائعين يهود بمبلغ 1.800.000 شيكل. اما الباقي، نحو 1.900.000 دولار فقد وضعها في جيبه. في حالة اخرى، اقنع احد رؤساء فتح عرفات بضرورة شراء اراض لضفة الاردن، لان اليهود يريدون شراءها. وافق عرفات على منحه مبلغ مليوني دولار أخذا كقرض من مصرف في الاردن، لان خزانة السلطة كانت فارغة. بعد مرور نحو من سنة، وبعد ان لم تف السلطة بموعد اعادة المبلغ الاصلي، نجحت في أن تعيد الاموال الى المصرف بزيادة فائدة ضخمة. بين تحقيق شبانة انه لا توجد أرض كهذه وأن الشخص الذي اشتريت منه الأرض في ظاهر الامر ليس حيا. عندما أراد أن يحذر مما يجري، تبين له ان ذلك المسؤول الكبير في فتح قام في مكتب قائده الطيراوي ليوبخه على التحقيق. يقول ان موظفين رفيعي المستوى في وزارة الخزانة العامة آنذاك، عملا طول الوقت بتعاون مع قادة فتح الذين سرقوا الخزانة. يزعم شبانة ان الفساد مستمر أيضا في أيام أبي مازن وفياض، بأنهما لا يفعلان شيئا ولا يحاكمان المذنبين. لا يعرض أدلة على قضايا فساد جديدة، لكنه يبين انه برغم انه حذر وطلب محاكمة المسؤولين عن الفساد، امتنع فياض وأبو مازن من فعل ذلك: "أين أبو مازن؟ الحديث عن جماعة من الاشخاص عادت من تونس مع عدة آلاف من الدولارات في جيوبها. اذا اخذت دخلهم الشهري، وضربته بـ 12 وضربته بعدد السنين التي وجدوا فيها ها هنا فربما يكون الناتج مليون دولار. اذا افترضنا لحظة انهم لم ينفقوا شيكلا فكيف يوجد عندهم اليوم خمسة او عشرة او اكثر من ذلك في حالات ما". بل ان شبانة يحاول ان يلمح الى مشاركة ابناء عائلة ابي مازن في قضية فساد، لكنه لا ينجح في ان يعرض أدلة على ذلك. يتحدث ايضا عن أن واحدا من كبار رجال السلطة يحصل كل شهر على نصف مليون دولار كجزء من مخصص خارجي من أجل تشغيل مكتب. المال يأتي نصفه من السلطة ونصفه من الولايات المتحدة. "لكن تشغيل هذا المكان هو في الحد الادنى. ومن المحقق انه لا يحتاج نصف مليون دولار كل شهر". لكن القضية التي افضت الى تفجير العلاقات بين شبانة والسلطة مصدرها رئيس ديوان عباس رفيق الحسيني في حزيران 2008. "تلقيت شكوى من امرأة توجهت الى مكتب ابي مازن لتقبل للعمل عنده. أتى الحسيني بيتها مع سكرتيرته وبدأ يحتك جسديا بالسكرتيرة قرب تلك المرأة. عندما خرج، أرسل رسالة نصية الى المرأة وقال لها انه يشتاق اليها. غضبت لذلك وشكته عندي. توجهت الى قائدي في الاستخبارات الطيراوي وبينت له ما حدث. اعتقدنا انه يجب العمل. طلبت اليها أن تدبر معه لقاء آخر وأن تهتم بأن يتحدث باللغة نفسها. أتى مرة اخرى مع السكرتيرة واحتك بها مرة اخرى. آنذاك طلب أن يلقى المرأة وحدهما وطلبت اليه ان يصل شقة سرية لنا وأن يتعرى ويدخل السرير. وهذا ما فعله، بيد انني دخلت لا هي. قلت له اننا ننوي التوجه بالمواد الى الرئيس. تبين لي أنه قال لابو مازن انهم هددوه بمسدس ليتعرى وصوروه بالقوة. استشاط عباس غضبا، واستدعى الطيراوي الذي قال انه لم يعلم بالامور وطلب الى الطيراوي ان يقيلني". بعد ان علق عمله، امر ابو مازن نفسه باعادة شبانة الى العمل. لكن آنذاك، ولدهشته اعتقلته قوات الامن الاسرائيلية. اعتقل شبانة عن "العضوية في جهة أمنية اجنبية" واستعمال عملاء لمواجهة تجار الاراضي. منذ ذلك الحين يمكث في اعتقال اداري وينتظر المحاكمة. "عندما رأيت ان السلطة تتجاهلني قررت ان امضي الى وسائل الاعلام مع قصتي". جاء عن الطيراوي ردا على ذلك: "شبانة كاذب. بينا ان الحديث عن جاسوس. لماذا لم ينشر الامور كلها الى اليوم؟ هذا جزء من حملة تحريض على أبي مازن". رفضوا في مكتب أبي مازن الرد على الاقوال.