ثمة من يقولون ان اقامة دولة اسرائيل نتيجة مباشرة للمحرقة. الرئيس باراك اوباما الذي لا يعرف تاريخ الحركة الصهيونية، قال ذلك في خطبته في القاهرة في السنة الماضية. لكن الحقيقة هي ان ابادة 6 ملايين يهودي على أيدي الالمان في الحرب العالمية الثانية كادت تفضي الى نهاية حلم انشاء دولة يهودية في أرض اسرائيل. فمخزن الهجرة الى ارض اسرائيل، اي الجمهور اليهودي الذي كان يفترض ان يبلغها أبيد أكثره. في شهادة أمام لجنة بيل في لندن في الحادي عشر من شباط 1937، قال فلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، ان هدف الصهيونية هو انشاء دولة يهودية عن جانبي نهر الاردن؛ دولة يكون فيها مكان "للسكان العرب وذريتهم ولملايين اليهود". كان عدد سكان الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل في تلك الايام نحوا من 400 ألف نسمة. وفي الحرب قتل ملايين اليهود. تبين بعد الحرب للقادة الصهاينة، انه فضلا عن انه لا يوجد ما يكفي من اليهود لانشاء اكثرية يهودية صلبة في ارض اسرائيل – وهذا شرط لانشاء دولة يهودية غربي الاردن وشرقيه – لن يكون قدر كاف في الهجرة اليهودية المتوقعة لانشاء اكثرية هكذا حتى في المنطقة غربي الاردن. أدرك مفتي القدس، الحاج أمين الحسيني، الافضلية المتوقعة له من ابادة يهود اوروبا، والتي قد تسبب القضاء على مطمح الصهيونية، وأصبح حليفا لهتلر. ووجد عند القادة العرب في مصر والعراق ايضا سبب يدعو الى تأميل انتصار هتلر. برغم كل ذلك تغلب الاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل وبقايا يهود اوروبا على محاولات البريطانيين بعد الحرب سد طريق سائر الهاربين الى أرض اسرائيل. لقد برهنوا على حيوية وقوة أفضتا الى اقامة دولة اسرائيل في جزء من المنطقة التي نقلتها عصبة الامم الى سيطرة بريطانيا لتنشأ فيها دولة يهودية عن جانبي الاردن. تقرر يوم تحرير معسكر الابادة اوشفيتس بقرار من الامم المتحدة ليكون ذكرى يوم ذكرى المحرقة. اما في اسرائيل فيجعلون ذكرى يوم المحرقة التاريخ الذي نشب فيه تمرد غيتو وارسو. نحن نجل ذكرى يهود اوروبا الذين قتلوا في اليوم الذي خرج فيه الباقون في قيد الحياة في غيتو وارسو والسلاح في ايديهم على الالمان ومساعديهم الاوكرانيين. كان هذا اول تمرد على المحتل الالماني في اوروبا. علم المحاربون في الغيتو انه لا أمل ان ينتصروا على الالمان. لم يحظوا بمساعدة او بتشجيع لا من واشنطن ولا من لندن ولا من موسكو. بعد سنة فقط من التمرد، وبعد ان دمر الالمان الغيتو، وقتلوا وأرسلوا الى معسكرات الابادة من بقوا فيه، أدرك العالم معنى التمرد في غيتو وارسو. يعد التمرد اليوم فصلا لا ينفصل من تاريخ الحرب العالمية الثانية. فهذه الشهادة الخالدة لبضع مئات من الشبان الشجعان، اجترأوا على تحدي المحتل الالماني. وقد سجل نصرهم في صفحات التاريخ برغم انهم هزموا في الغيتو. في مساء التمرد، في الثامن عشر من نيسان 1943، قال ليئون رودال، نائب باول فرانكل، قائد المنظمة العسكرية اليهودية في غيتو وارسو، لريتشارد فاليبسكي الذي انضم الى المنظمة مع بعض رجاله: "سنقتل جميعا ها هنا. بعضنا في المعركة يحملون السلاح، وآخرون ضحايا العبث... وربما حين يحين الوقت بعد سنين كثيرة، عندما يكتب تاريخ محاربة المحتل النازي سيذكروننا ايضا. ومن يعلم، ربما نكون مثل يهودا الصغيرة التي حاربت روما العظيمة، رمزا لروح الانسان التي لا تقمع، ولبها هو النضال من اجل الحرية ومن اجل الحق في الحياة والوجود".