بين خطاب نتنياهو في اوشفيتس ورد اسرائيل على تقرير غولدستون يفصل يومان. خلاف كبير جدا يفصل بين النصين، مدى اهميتهما، طولهما والعنوانين الموجهين لهما. خطاب نتنياهو كان موجها لحكومة بولندا، التي لها الان مكانة هامة في الاتحاد الاوروبي واسرائيل تبذل مساعيها كي تعجبها، اما رد اسرائيل على تقرير غولدستون فارسل الى الامم المتحدة – الامم المتحدة هي ايضا من المهم ارضاؤها. ورغم الاختلاف، يخيل ان يدا واحدة صاغت النصين، احد ما نطاق اختصاصه هو غسل الكلام. في اوشفيتس في بولندا، بحضور الزعماء البولنديين، امام منشأة الابادة الاكبر في التاريخ، والتي اقيمت، ليس صدفة، على اراضي بولندا وشغلها البولنديون، نجح نتنياهو في القفز عن الدور الحماسي للشعب البولندي في الكارثة، ففي تفانيهم في مطاردة اليهود، تسليمهم للالمان ومشاركتهم الفاعلة في صناعة الابادة كان البولنديون ثاني اثنين فقط للالمان، بل واحيانا متفانين اكثر منهم في مهمة الابادة. وحتى بعد ان هزم الالمان، تواصل القتل على اراضي بولندا. والتقدير هو انه في أعمال القتل المستقلة، برعاية النظام الجديد، قتل نحو 1500 يهوديا، الكثيرون منهم في ساحات المدن، امام جمهور بولندي فرح. مؤيدو أمم العالم في أوساطهم كانوا افرادا، في الطرف البعيد والطفيف جدا من المجتمع. خطاب نتنياهو جاء ليشوش القصة الفظيعة. الصيغة الملتوية للخطاب سعت الى تحويل ما هو مركزي، اللاسامية الشعبية المضطرمة، الى الهوامش، وهوامش مؤيدي أمم العالم الى المركز. رد اسرائيل على تقرير غولدستون مبني على ذات أسس التباكي اللفظي. اسرائيل أعلنت بأنها تعمل حسب قواعد مواثيق الحرب العالمية. وحسب هذه المواثيق، اخذت اسرائيل على نفسها عدم استخدام قنابل الفوسفور. فهل جرى استخدام لقنابل الفوسفور في حملة "رصاص مصبوب"؟ سؤال تافه، اذ اننا جميعا رأينا في التلفزيون النار والقنابل وكذا النتائج. رأيناها المرة تلو الاخرى حتى في صور نشرها الناطق بلسان الجيش الاسرائيلي. سكان غلاف غزة كان بوسعهم ان يشموا رائحتها. ما كان يمكن نفي استخدامها، ولكن من صاغ الجواب الى الامم المتحدة تلوى، تلوى، ونجح في الانكار. قتل مئات الاطفال الفلسطينيين؟ هذه المرة اسرائيل لا تنفي، فكيف ستنفي؟ ولكن "لم توجد ادلة تبرر تحقيقا جنائيا". هكذا ايضا حين اطلق الجيش الاسرائيلي النار على طواقم طبية. حسب الجواب الاسرائيلي، النائب العسكري الرئيس اجرى عشرات التحقيقات الجذرية ولكن كيفما اتفق كانت كلها على ما يرام، كل شيء كان على ما يرام. حسب النائب العسكري الرئيس حتى الان لم توجد حتى ولا قضية واحدة لم يتصرف فيها الجيش الاسرائيلي كما ينبغي، اذ اننا الجيش الاكثر رحمة في العالم، الاكثر حقا، الاكثر حذرا تجاه بني البشر. وحتى في حالة النار الغريبة على منزل الطبيب د. ابو العيش وقتل ثلاثة من بناته لم يعثر على أمر شاذ. نعم، للدقة وللبرهان الملتوي بأن الجيش يفعل كل شيء من اجل طهارة السلاح، وجدت حالة واحدة لشذوذ خطير. وجد جندي سرق اثناء الحملة بطاقة الائتمان لفلسطيني وقد حوكم بكامل شدة القانون. هو كفارتنا.