خبر : تركيا ليست وحدها/بقلم: يعقوب عميدرور/اسرائيل اليوم 29/1/2010

الجمعة 29 يناير 2010 11:29 ص / بتوقيت القدس +2GMT
تركيا ليست وحدها/بقلم: يعقوب عميدرور/اسرائيل اليوم 29/1/2010



 الحدث المهين باشراف نائب وزير الخارجية الذي قام بإجلاس سفير تركيا في اسرائيل لمحادثة تأنيب، الحقت الاذى قبل كل شيء بدولة اسرائيل نفسها. ما هكذا تتصرف وزارة خارجية دولة حضارية. حتى وان لم يكن هناك مفر احيانا ومن الواجب ان تكون فظا في ردك – فليست هذه هي الطريقة المناسبة. ومن هنا كان من الجيد ان اسرائيل ونائب وزير خارجيتها اعتذروا عن هذه الحادثة. سفر وزير الخارجية الى تركيا من المفترض به اطلاق رسالة بأن ليس كل شيء ضائعا وان هناك ما يمكن التحدث عنه وان من المهم التأكيد على القضايا المشتركة للدولتين خصوصا التعاون العسكري والامني – ولكن ليس في هذه المجالات فقط. ذلك لان وزير الدفاع التقى ايضا مع وزير الخارجية التركي وتحدث معه بطبيعة الحال حول امور سياسية. المراسيم في أنقرة كانت مثيرة للانطباع ولكنها جوهر المشكلة.  من المحظور الوقوع في الاوهام. كلما كانت الاهانة علنية كلما كانت بلا داع وضارة، والاعتقاد بأن من الممكن اعادة تركيا الى طريق اتاتورك والتوقع باقامة منظومة علاقات جيدة مع اسرائيل – هو وهم. تركيا آخذة بالابتعاد عن تركة مؤسسها الذي حلم بدولة علمانية قريبة من الغرب بطرق التفكير والمؤسسات. تركيا بداية القرن الواحد والعشرين تسير في الاتجاه المعاكس: هي تصبح اكثر تدينا واكثر اسلامية وتدار على هذا النحو داخليا وخارجيا بهذه الطريقة. خطوة اتاتورك فشلت وفقا لما نراه في الاجواء السائدة في تركيا اليوم. الانتخابات التي اوصلت الحركة الاسلامية الى الحكم وخطوات اضعاف الجيش المفترض به وفقا للدستور التركي ان يكون المحافظ على الدولة كدولة علمانية تقود الى استنتاج ليس مريحا بالنسبة لدولة اسرائيل – ولكنها الحقيقة المرة. لا يتوجب تفضيل الاوهام على الفظاظة فكلاهما ضار. المثال الوحيد الا ان التغير في تركيا ليس قائما بذاته وهو جزء من انقلاب كبير يحدث في  الشرق الاوسط برمته حيث تزداد قوة الاصوليين الاسلاميين صعودا كموجة غامرة يصعب ايقافها. جذور العملية تكمن بفشل الدولة العلمانية في توفير الاستقرار والديمقراطية والنجاح الاقتصادي في كل ارجاء الشرق الاوسط الاسلامي. ليست هناك دولة واحدة من تلك الدول التي اقيمت على انقاض الامبراطورية التركية او الانجليزية او الفرنسية تؤدي دورها بصورة تشبه الدورة الديمقراطية الحديثة. تركيا كانت النموذج الوحيد وهي ايضا تضيع في التيار الاسلامي الذي يغمر الشرق الاوسط كله. الفوارق بين الدول المختلفة في المنطقة كبيرة جدا في مجالات كثيرة بما في ذلك المجال الديني. ولكن الامر المشترك لها جميعا هو ازدياد شكيمة التيار الاسلامي في السياسة الداخلية وفي السياسة الخارجية وفي سلوك جموع المواطنين من سكان المنطقة. كما ان حركة الاصلاح في ايران ركيزة امل الكثيرين نحو التغيير المنشود في طهران لا تخوض الصراع ضد الفلسفة الاسلامية والنهج هناك وانما تكافح فقط ضد التطبيق العنيف والديكتاتوري لهذا النهج كما انعكس ذلك بتجاهل نتائج الانتخابات الاخيرة هناك. تلك الانتخابات التي سمح لمرشحين من المنتمين للثورة فقط بترشيح انفسهم فيها. لم يكن لاي ايراني علماني او ليبرالي ديمقراطي ان يرشح نفسه في تلك الانتخابات. كل الشرق الاوسط يتوجه الى مكة والى التقاليد الدينية والقانون الاسلامي. هناك دول ما زالت تكافح ضد هذه المجريات وعلى رأسها مصر والاردن حيث تتعزز حركة الاخوان المسلمين (الحركة الام لحماس). اتباع الحركة لا يستطيعون ترشيح انفسهم للانتخابات في مصر وفي الاردن فرضت عليهم رقابة مشددة. هناك دول تحاول هضم التطرف داخل طريقة الحكم القائم والسعودية على رأسها، وهناك من يخوض حربا حقيقية في مواجهة القوى المتطرفة التي تحاول تدمير الحكم في المكان واليمن هو نموذج اخير لذلك.  ولكن كل هذه الامور ما هي الا معارك الرمق الاخير. ميل الشرق الاوسط نحو الاسلام غير قابل للتغيير في جيلنا. شعار الاخوان المسلمين: "الاسلام هو الحل" يترسخ في الافئدة سواء لان الكثيرين يؤمنون بطريق الدين فعلا او لان البديل في جزء ملموس من الحالات لا ينجح في توفير الرد المطلوب وهو فاسد فيها كلها تقريبا. صحيح انه في الاماكن التي يسيطر فيها متطرفو الاسلام – مثل افغانستان قبل الاحتلال الامريكي واجزاء من الباكستان وغزة ويران – ليس هناك نجاح كبير والامور المعروضة هي اخفاقات عميقة ومع ذلك لم يزل بعد سحر الاسلام كحركة سياسية وليست دينية فقط. الجيل الثاني يرفع رأسه ولكن من المهم ان تقال الحقيقة. الاسلام كمشكلة يتجاوز حدود الشرق الاوسط. اليوم تخوض المواجهة معه دول اوروبية تكتشف فجأة ان حشود المهاجرين بعضهم من مواطني المناطق التي سيطرت عليها تلك الدول في العهد الاستعماري وبعضهم باحثون عن العمل من الشرق – لا يرغبون في الانصهار في المجتمع. المهاجرون لا يتبنون ثقافة المكان وقوانينه وفلسفته. ان كان الجيل الاول من المهاجرين قد صغر قامته وحافظ على عاداته وأحجم عن التخاصم مع القانون وحراسه فان الجيل الثاني من الهجرة يبدي الوقاحة والصلافة نحو الدولة التي تستضيفه ويخالف قوانينها بصورة صارخة ويعود للاسلام وقلة من ابنائها تبدي الاستعداد لتنفيذ الارهاب ضد مستضيفيهم. الخلية التي فجرت في 2004 القطار الارضي في لندن كانت من ابناء الجيل الثاني، ارهابيين يعملون بخدمة تنظيم القاعدة ومواطنين بريطاني الجنسية من المولد. بعد الكارثة النازية سنت دول ديمقراطية كثيرة قوانين صارمة ضد كل نوع من انواع التمييز والتفرقة على خلفية عرقية او ثقافية. اليوم أصبحت هذه القوانين سلاحا يشهر في وجه اليهود والدول الديمقراطية على حد سواء. اليهود يعانون من التصرف العنيف من قبل المهاجرين المسلمين ومن قوتهم السياسية الصاعدة ومن انهم اصبحوا في ايامنا هذه قادة حركات الاحتجاج بما فيها الاحتجاج العنيف ضد اسرائيل واليهود. كل هذا من دون اي اكتراث لتقاليد المكان ومن خلال استغلال حرية التعبير للتحريض وعدم رغبة السلطات بمعالجتها لانها تخشى من اندلاع اعمال الشغب او اتهامها بالفاشية. الكثيرون من قادة اوروبا يدركون الخطورة الكامنة بفقدان الهوية الثقافية والسياسية لدولهم تحت ضغط المهاجرين المسلمين ولكن يعجزون عن توفير الخلاص خصوصا اثر تقاعسهم وجبنهم في مواجهة المشكلة. التهديد ليس فقط نتيجة للتفرقة الاقتصادية وانما نابع بالاساس من مشكلة ثقافية ومن فشل القيادة السياسية للدول المستضيفة والجمهور الاسلامي. من يرى المشكلة بشموليتها وانتشارها ليس في ارجاء الشرق  الاوسط وحده وانما ايضا في اوساط المهاجرين المسلمين في الدول الغربية، يدرك الصعوبة التي تتربص بدولة اسرائيل في الجيل  القادم. تركيا ما هي الا نموذج وعلامة للامور القادمات.