اصوات الارتياح في القدس تصل حتى تل ابيب. اوباما ظهر كنمر من ورق. احاديث كثيرة حول السلام وفي ختام عامه الاول يرسل ميتشل معصورا كالليمونة حتى يعزز قوة العملية السلمية غير القائمة ويوضح في مقابلة مع مجلة "التايم" انه اخطأ في توقعاته. محمود عباس يشعر بالارتياح فوق الشجرة. في اخر المطاف لو اعطوه سلما حقيقيا لكان عليه ان ينزل عن الشجرة ويشرع في المفاوضات مع رئيس الوزراء الذي يعلن مسبقا ان لا مجال للتفاوض حول القدس وان غور الاردن سيبقى بيد اسرائيل واننا لن نعود الى حدود 67 وان الكتل الاستيطانية الكبرى ستبقى بيد اسرائيل. وهناك ايضا وزير الخارجية الذي يصرح انه لن تكون هناك احتمالية للسلام بعد 16 عاما ايضا، هذا من دون ان نذكر بني بيغن وبوغي يعلون وايلي يشاي واعضاء اخرون في دائرة صناع القرار الذين يبعد حدهم الاقصى عن الحد الادنى للبراغماتيين في م.ت.ف مسافة كبيرة. عباس قد ينزل حسب رأيه عن الشجرة ويسقط في الوحل. هو سيمنح نتنياهو عامين لا يمكن للعالم خلالهما ان ينتقده لعدم قيامه بشيء حتى ان زاد وتيرة الاستيطان سيكون بامكانه ان يقول بأن هناك وفدين من الجانبين يتداولان في حل كل القضايا داخل قاعدة عسكرية في الولايات المتحدة. وعندئذ ستظهر حماس مرة اخرى لتقول: ايها البلهاء – انتم تتفاوضون مع اسرائيل ولا تحققون شيئا اما نحن فلا نتفاوض ولكنا حققنا كل ما اردناه وان اردنا المزيد فسنطلق عدة صواريخ اخرى. في الوضع الذي لا يسارع فيه نتنياهو الى اي مكان ولا تدفع الحكومة الامريكية او تضغط عليه وفي الوضع الذي يدرك فيه عباس انه لن يستطيع التوصل الى اتفاق مع نتنياهو هذا بينما يوضح لنا اوباما مدى الخطأ الذي ارتكبه عندما أمل – اسرائيل عادت الى الفترة التي يتوجب عليها ان تدرس فيها ما الذي يتوجب عليها فعله لمواجهة الخطرين: تحويلنا الى اقلية يهودية في بلادنا والانتفاضة الفلسطينية التي تشكل خطرا على أمننا. اغلبية الحكومات خشيت من دفع ثمن السلام – تعديلات حدودية متبادلة على اساس الخط الاخضر وتقسيم شرقي القدس وحل مالي ورمزي للاجئين الفلسطينيين – ومقابل ذلك تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح ولا يعطى حق للاجئين بالعودة الى اسرائيل ويكون هناك اعتراف متبادل بحق الشعبين بدولة خاصة بهما. اغلبية رؤساء الوزراء لم يكونوا على استعداد لدفع هذا الثمن لانهم اخطأوا في الاعتقاد بان الجمهور لن يقبل بذلك. وربما لانهم لم يخطئوا في الاعتقاد بان ايغال عامير ليس القاتل الاخير. المشكلة هي انه كلما مر الوقت كلما تحول خيار اجلس ولا تفعل شيئا الشهير الى مسألة غير ممكنة ايضا لانه منذ عام 1987 برهن الفلسطينيون على انهم قادرون على الحاق ضرر لا بأس به بنا بوسائل عنيفة والمسك بمكانتنا الدولية واقتصادنا وبالاساس الشعور بالامن الشخصي عندنا وخصوصا لاننا قريبون اكثر من اي مرة كانت من اللحظة التي سنتحول فيها الى اقلية يهودية في المساحة الواقعة غرب نهرالاردن. الامل بالهجرة الحاشدة لاسرائيل تلاشى والحل الوحيد لهذه المشكلة الديموغرافية المركزية هو فرض حدود بيننا وبين الفلسطينيين. خيار الدولة ثنائية القومية – الذي نخيف انفسنا به او الذي يقوم بعض القادة الفلسطينيين باخافتنا به – لن يتحقق. الدولة ثنائية القومية ليست مجرد دولة يعيش فيها شعبان وانما دولة توجد اتفاقيات سلطوية بين هذين الشعبين على غرار الوضع القائم في لبنان. ما سيحدث في الواقع هو صراع بين الاغلبية الفلسطينية التي ستنشأ هنا من اجل التصويت الديمقراطي في دولة مشتركة وعودة اليهود الى الغيتو مع محاولة خوض الكفاح دفاعا عن حقوقهم كأقلية. الا انه قبل حدوث ذلك بلحظة ستقوم حكومة اسرائيلية ما بالقيام بالامر الممكن الوحيد الذي يمكنها ان تفعله ان لم تكن مستعدة "للمخاطرة" بالتوصل للسلام: انسحاب احادي الجانب. هذا الانسحاب هو خيار لا مفر لدى اليمين واليسار. عندما فزع باراك من الاستطلاعات قرر عدم دفع الثمن في شيبردستاون قبل عشر سنوات بالضبط من اجل التوصل للسلام مع سوريا، قرر الانسحاب من لبنان بصورة احادية الجانب. اما شارون الذي لم يؤمن ابدا بالسلام مع العرب فلم يتأثر كثيرا بانتخاب محمود عباس للرئاسة الفلسطينية ولم يفهم لماذا تعتبر حماس أقل ملائمة لاسرائيل من م.ت.ف وفضل من خلال ذلك الانسحاب من غزة بصورة احادية الجانب من دون الحصول على اي ضمانات بالنسبة للمعابر ونزع السلاح او اية خطوات سياسية. لان كل قادة اسرائيل كانوا اشخاصا عقلاء وكلهم كانوا ملتزمين بصورة عميقة وطنيا سواء نجحوا في ادوارهم او فشلوا بذلك فشلا ذريعا، ليس من الصدفة انهم منذ ان استلموا مناصبهم (باستثناء غولدا مئير) قد تصرفوا بصورة مختلفة عما ميزهم قبل وصولهم للمنصب. مناحيم بيغن انسحب من كل سيناء واعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبيرس الذي كان معارضا للتسوية الاقليمية وساعد في اقامة جزء من المستوطنات تحول بعد وصوله للمنصب الرسمي الى المؤيد الابرز للتسوية الاقليمية ومعارض لاقامة مستوطنات اضافية. شامير بدوره الذي عارض المؤتمر الدولي بشدة قاد اسرائيل الى مؤتمر مدريد اما رابين الذي قال ان المجنون وحده هو الذي ينسحب من الجولان ابدى استعداده لان يكون هذا المجنون بل وصافح يد عرفات بعد ان عارض المفاوضات مع م.ت.ف واخيرا انسحب نتنياهو من الخليل وعبر مؤخرا عن تأييده لحل الدولتين. شارون الذي قال بأن حكم مستوطنة نتساريم كحكم تل ابيب فقد انسحب من كل قطاع غزة واخلى مستوطنات في الضفة الغربية، واولمرت الذي كان من انصار وحدة اراضي البلاد البارزين انتخب من اجل الانسحاب بصورة احادية الجانب من الضفة وايد الانسحاب التام الى حدود حزيران وتقسيم القدس. ان كان هذا هو الحال فان ما سيحدث هو: ان لم يظهر رئيس وزراء ذو عزيمة واصرار للتوصل للتسوية فستحين اللحظة التي يقدر فيها العالم بأن اغلبية فلسطينية قد تبلورت غربي نهرالاردن. منذ هذه اللحظة ستبدأ ضغوط هائلة لاعطاء الفلسطينيين حق التصويت. ولان مغزى الامر هو انتهاء الدولة اليهودية فانه لاتوجد حكومة او كنيست مستعدان للسير في هذا الاتجاه. خيار اللا مفر سيدفع اسرائيل الى تحديد حدود احادية الجانب ومن المعتقد انها ستكون حدود الجدار الفاصل. كل المستوطنات غربي الجدار ستخلى بصورة فزعة واسرائيل ستواصل الحفاظ على الـ 8 في المائة الموجودة غربي نهر الاردن. الانسحاب احادي الجانب سيبدو على هذا النحو: من دون عاصمة معترف بها ومن دون موافقة على نزع سلاح الدولة الفلسطينية ومجال جوي حر لاسرائيل ومن دون تبادل للمناطق ومن دون اية تسوية بصدد المعابر ومن دون اتفاقيات سياسية – لا اعتراف باسرائيل كبيت قومي للشعب اليهودي خصوصا ليس من دون تصريح فلسطيني بانتهاء المطالب الفلسطينية – مع تعزيز هائل لحماس وخشية دائمة من تواصل الصراع العنيف حول المناطق التي لم نخليها وحول القدس. من الاجدر بصناع القرارات ان يدركوا بان المصلحة القومية بهذه اللحظة تتمثل بالتوصل الى اتفاق سياسي وعدم التورط في حل اللا مفر. دفع الثمن الذي لا يختلف بكثير والحصول على ثمن مقابل اكبر بعشرات الاضعاف.