الشخصيات انطلقت مع الفجر. الرئيس في المانيا، رئيس الوزراء وحاشيته الكبيرة في بولندا، وزير الخارجية في هنغاريا، نائبه في سلوفاكيا، وزيرة الثقافة في فرنسا، وزير الاعلام في الامم المتحدة وحتى ايوب قرا في ايطاليا. كلهم سافروا كي يلقوا كلمات عن الكارثة. يوم الكارثة الدولي – جهد اعلامي كهذا لاسرائيل لم يشهد له مثيل منذ زمن بعيد. توقيته الاستثنائي – لم يحدث ان اجتاح زعماؤنا العالم هكذا – ليس صدفة: عندما يتحدث العالم غولدستون نتحدث نحن كارثة، وكأن بنا نشوش الانطباع. عندما يتحدث العالم احتلال نحن نتحدث ايران وكأن بنا نريد ان ينسى. هذا لن يجدي كثيرا اسرائيل. حين يمر يوم الكارثة الدولية هذا ايضا ستنسى الخطابات وسيبقى الواقع الراهن المضني. واسرائيل لا تخرج بخير منه ولا حتى بعد هذه الحملة الاعلامية. عشية سفره تحدث بنيامين نتنياهو في متحف "يد واسم". وقال "يوجد شر في العالم؛ توجد حاجة الى وقف هذا الشر وهو في بدايته؛ توجد محافل تحاول نكران الحقيقة". أمور رائعة على لسان من بذات الهراء قبل يوم واحد من ذلك ألقى كلام آخر، مصاب بشر حقيقي، شر يجب وقفه وهو في بدايته، حقيقة تحاول اسرائيل نكرانه. نتنياهو أعلن عن "سياسة هجرة" جديدة، كلها وكليلها شر. رئيس الوزراء خلط بنية مبيتة بين مهاجري العمل ولاجئي الحرب البائسين، حذر من انهم جميعا يعرضون اسرائيل للخطر، يقللون من أجرها، يمسون بأمنها، يجعلونها دولة عالم ثالث ويدخلون المخدرات اليها. ويقف خلفه وزير الداخلية العنصري ايلي يشاي، الذي تحدث عن الاجانب كمن ينشرون الامراض، الانفلونزا، اليرقان والايدز وماذا لا. لن يلغي اي خطاب عن الكارثة اقوال التحريض والهراء هذه ضد الاجانب. لن ينسي اي خطاب ذكرى حقيقة ان كراهية الاجانب في اسرائيل رفعت رأسها وهي الان ليست فقط من نصيب محافل اليمين المتطرف مثلما في اوروبا، بل من نصيب المؤسسة السلطوية بأسرها. لدينا رئيس وزراء يتحدث عن الشر اياه، ويقيم جدارا كي يمنع لاجئي الحرب من أن يدقوا بوابات اسرائيل. رئيس وزراء يتحدث عن الشر ويشارك في جريمة الحصار على غزة، الذي يفرض منذ اكثر من ثلاث سنوات، يخلف مليون ونصف من السكان في ظروف بائسة. رئيس وزراء في بلاده يقوم المستوطنون بأعمال الاعتداء على الفلسطينيين الابرياء، يحملون اسم "شارة ثمن" والذي له ايضا تداعيات تاريخية مثيرة للقشعريرة ممن لم تتخذ الدولة ضدهم اي اجراء تقريبا. هذا هو رئيس وزراء لدولة تعتقل مئات متظاهري اليسار الذين يحتجون على مظالم الاحتلال والحرب في غزة، وفي نفس الوقت تعطي عفوا جماعيا لمتظاهري اليمين ضد فك الارتباط. وحتى التشبيه الذي ضربه نتنياهو امس في خطابه بين المانيا النازية وايران الاصولية ليس اكثر من دعاية رخيصة. تبخيس الكارثة سبق ان قلنا؟ ايران ليست المانيا، احمدي نجاد ليس هتلر والتشبيه بينهما باطل ليس أقل من التشبيه بين جنود الجيش الاسرائيلي والنازيين. لا يجوز لنا ان ننسى الكارثة، ولا حاجة بنا لان نشبهها بشيء. واجب على اسرائيل ان تشارك في المساعي لعدم نسيانها، ولكن بعملها ذلك عليها ان تأتي بيدين نظيفتين، نظيفتين من الشر الذي تقوم به يداها. لا يجوز ايضا اثارة الاشتباه بأن اسرائيل تمارس استخداما تهكميا لذكرى الكارثة كي تنسي وتشوش أمورا أخرى. لشدة الاسف ليست هذه هي الحالة. كم كان جميلا لو أنه بالذات في يوم الكارثة الدولية هذا تفرغت اسرائيل للنظر الى داخلها وسألت مثلا كيف حصل ان رفعت اللاسامية في العالم رأسها في السنة الماضية بالذات، تلك التي بعد قنابل الفوسفور الابيض التي القيت على غزة. كم كان جميلا لو انه في يوم الكارثة هذا كان نتنياهو سيعلن عن سياسة استيعاب للاجئين وليس لطردهم، او عن رفع الحصار عن غزة. الف خطاب ضد اللاسامية لن يطفىء النار التي اضرمتها حملة "رصاص مصبوب"، ليس فقط ضد اسرائيل بل ضد العالم اليهودي بأسره. طالما غزة تحت الحصار واسرائيل تغرق في كراهية الاجانب المؤطرة فيها، فان خطابات الكارثة ستبقى مخلولة. طالما تسلل الشر عندنا من الداخل، فان العالم (ونحن) لا يمكننا ان نقبل بمزايدات اخلاقية على الاخرين ، حتى لو كانوا جديرين بذلك.