صورة محمد وجمال الدرة، اللذين يختبآن خلف برميل الاسمنت في محاولة عابثة للافلات من اصابة رصاص جنود اسرائيليين – اصبحت رمز الوحشية الاسرائيلية وقررت صورة الجيش الاسرائيلي كجيش متعطش للدماء، يعمل حسب معايير مرفوضة. 55 ثانية بثتها شبكة التلفزيون الفرنسية "فرانس 2"، وفي ختامها أعلن المراسل، شارل اندرلين، "محمد مات" فتحت "السد لطوفان هائل من نزعة الثأر"، مثلما كتب عاموس هرئيل وآفي يسسخروف في كتابهما "الحرب السابعة". محمد الدرة اصبح شهيدا، يرمز الى كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الوحشي. طوابع مع صور الاب والابن انتشرت في ارجاء العالم العربي، وسميت الشوارع باسم الطفل. قضية محمد الدرة هي انتصار دعائي هائل للفلسطينيين. ولكن، كما يتبين، فانها ايضا القصور الاعلامي الاكبر، وغير المفهوم لاسرائيل. قصور، لان هناك ما يكفي من الادلة على أن قصة موت الطفل لم تكن سوى مسرحية اعدها بكفاءة عالية الفلسطينيون. ما يقلق في كل هذه القضية هو تجاهل اسرائيل الرسمية للشهادات والتحقيقات التي بدأت تتجمع فور الحدث. فيلم وثائقي للصحافية الالمانية استير شبيرا، وتحقيق اجراه رجل الاعمال الفرنسي فيليب كريستاني يطرحان الاشتباه بان المصور الفلسطيني، طلال ابو رحمة، الذي التقط الفيلم الذي نقل الى "فرانس 2"، "طبخ" القصة، وكثيرون آخرون كانوا شركاء له. شهادة المصور مليئة بالتناقضات. فقد روى بان "الجنود اطلقوا بدم بارد النار نحو الاثنين على مدى نحو 45 دقيقة". ولكن، اذا كان جنود الجيش الاسرائيلي بالفعل ارادوا ان يمسوا "بدم بارد" بمحمد وأبيه لكان بوسعهم ان يصفوفهما في غضون اقل من دقيقة. ولمسألة كم رصاصة اطلقت نحو الاثنين أجاب ابو رحمة، "على الاقل 400". على الحائط في المكان يمكن بوضوح رؤية ثمانية ثقوب فقط. كريستاني حصل على المادة الخام التي صورها أبو رحمة، وعندما بث 10 ثوان صورت بعد اعلان اندرلين بان "محمد مات"، بدا الطفل يرفع يده وينظر باتجاه الكاميرا. ولا يمكن في أي صورة من الفيلم ان ترى اصابات الرصاصات في جسد الاب والابن، رغم أن بزعم الاب اصيب بـ 12 رصاصة وابنه بثلاث. لم يعثر في مكان الحديث حتى ولا على قطرة دم واحدة. محمد الدرة دفن في جنازة جماهيرية. ولكن الطفل الذي دفن وصل الى مستشفى الشفاء، حسب شهادة الطبيب الذي استقبله، في الساعة العاشرة صباحا. العيارات النارية في مفترق نتساريم لم تبدأ الا في الثانية بعد الظهر ومحمد اخذ من المكان بعد الثالثة. في الصور التي يعرضها مشرح الجثث في غزة وان كان يظهر طفل اصيب بالرصاص، الا ان اصاباته ليست تلك التي شهد عنها جمال. بينما يشهد الاب بان محمد اصيب في ساقه اليمنى الطفل من الشفاء مصاب بساقه اليسرى. خبير في التشخيص الجنائي قارن صورة الطفل الذي دفن بصورة الطفل من مفترق نتساريم فوجد انهما طفلان مختلفان. 12 رصاصة مزقت جسده كما يدعي الاب جمال، الذي يعرض بفخار الندوب. ولكن شبيرا عثرت على د. يهودا دافيد، الذي يشهد بانه اجرى عملية له قبل ست ساعات من الحدث، وان الندوب التي عرضها هي نتيجة قطع سكين الجراحة. ورغم كل هذا، فان اسرائيل الرسمية صامتة. فرصة ذهبية لهز مصداقية الرواية الفلسطينية عن احد الاحداث التأسيسية في تاريخ النزاع تفوت لسبب من الصعب فهمه. الجيش الاسرائيلي بالفعل يخطىء غير مرة في استخدام مبالغ فيه للقوة العسكرية، مما يؤدي الى وفاة ابرياء. ولكن عندما يتبين بانه في قضية الدرة لم يمس جنود الجيش الاسرائيلي بالطفل وبأبيه، يصمت المسؤولون عن الاعلام في الجيش الاسرائيلي وتصمت وزارة الخارجية. وهكذا تترك اسرائيل الساحة الاعلامية في يد الفلسطينيين، الذين يقومون باستخدامها بذكاء في ظل استغلال تعاون محطات تلفزيونية عاطفة على قضيتهم، مثل "فرانس 2".