في الأيّام الأولى لحرب أكتوبر من العام 1973، وبعد أنْ تبينّ لقادة إسرائيل أنّ الجيش المصريّ من الجنوب والسوريّ من الشمال يتقدّمان بسرعةٍ، أصيب وزير الأمن آنذاك، موشيه ديّان، بحالةٍ من الهستيريا والذعر واقترح على رئيسة الوزراء غولدا مئير، اللجوء لاستخدام الأسلحة غير التقليديّة لوقف هجوم الجيشيْن العربييْن ومنعهما من تدمير دولة الاحتلال، ولكنّها رفضت.
واليوم، وفي ظلّ تغيّر قواعد الاشتباك في المنطقة وفقدان الكيان قوّة الردع على جميع الجبهات، ازدادت الخشية الإسرائيليّة من قيام إيران والتنظيمات التي تدور في فلكها، بحسب التسمية الإسرائيليّة، بشنّ حربٍ تدميريّةٍ ضدّ إسرائيل بهدف القضاء عليها وشطبها عن الخريطة، ولذا لم يكُن مفاجئًا بالمرّة تصريح وزير الخارجية الإسرائيليّ يسرائيل كاتس الذي قال فيه إنّ الرسالة التي بعثت بها إيران فيما يتعلق بشن “حرب إبادة” في حالة تنفيذ إسرائيل عملاً عسكريًا واسع النطاق في لبنان تجعلها تستحق التدمير.
وأضاف كاتس في منشور على منصة (إكس) أنّ “النظام الذي يهدد بالتدمير يستحق التدمير”، وتوعد أيضًا بأنْ تستخدم إسرائيل كلّ قوتها ضد (حزب الله) المتحالف مع إيران إذا لم تتوقف عن إطلاق النار على إسرائيل من لبنان ويبتعد عن الحدود.
وقالت بعثة إيران لدى الأمم المتحدة أوّل من أمس الجمعة إنّه إذا شرعت إسرائيل في “عدوان عسكري شامل” في لبنان، فإنّ “حرب إبادة ستندلع”.
والسؤال المركزيّ الذي يبقى مفتوحًا: هل إسرائيل، التي بحسب المصادر الأجنبيّة، تملك أسلحة نوويّة، ستجرؤ على استخدامها، في حال شنّ حرب الإبادة عليها؟ مع الإشارة إلى أنّ الدولة الوحيدة التي استخدمت هذا السلاح الفتّاك كانت الولايات المُتحدّة الأمريكيّة ضدّ ناغازاكي وهيروشيما في اليابان خلال الحرب العالميّة الثانية، وأيضًا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ إيران باتت دولةً على “عتبة النوويّ”، وأنّ قرار تحوّلها لدولةٍ نوويّةٍ سيتخذّه المرشد الأعلى، علي خامينئي.
في هذا السياق، دعا المؤرخ الإسرائيليّ بيني موريس، دولة الاحتلال إلى شنّ حربٍ على إيران بالسلاح غير التقليدي (النووي) إنْ لزم الأمر، وذلك من أجل القضاء على مشروعها النووي قبل اكتماله، منتقدًا ما وصفه بتساهل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في التعامل مع طهران، التي تعرب دائما عن نيتها تدمير إسرائيل.
وقال موريس في مقال نشرته صحيفة (هآرتس) العبرية، إنّه “لا توجد لحظة أفضل من هذه اللحظة من أجل توجيه ضربة استراتيجية لإيران، بفضل ميزان القوة غير المتماثل بينها وبين إسرائيل”.
وأضاف أنّ “تدمير المشروع النووي الإيراني واجب وجودي على إسرائيل”، مشيرًا إلى أنّ طهران “أصبحت على شفا إطلاق تخصيب اليورانيوم بمستوى الـ90 في المئة، وراكمت بما فيه الكفاية من المواد لإنتاج ما يكفي قنبلة”.
واعتبر موريس أنّ “دول العالم ستتفهم هجومًا عسكريًا بالسلاح غير التقليدي ضد إيران”، مشدّدًا على أنّ “بقاء إسرائيل يمكن أنْ يكون أكثر أهمية بالنسبة لسكان البلاد من الإدانات الدولية وحتى من العقوبات، إذا تمّ فرضها، وأنا أشك في أنها ستفرض”.
وحذر المؤرخ من توصل إيران إلى السلاح النووي، لافتًا إلى أنّه في حال استطاعت طهران فعل ذلك “فإنّ وجود مثل هذا السلاح في يدها، حتى لو لم تستخدمه، سيجعل أيّ مستثمر أوْ أيّ قادم جديد محتمل يهرب من إسرائيل، لاسيما أنها تعرب عن نيتها تدمير إسرائيل”.
وأوضح أنّ امتلاك إيران للسلاح النووي سيجعل الكثير من الإسرائيليين يهربون من الكيان، مؤكّدًا أنّه على هذا المنوال “فإن إسرائيل ستذوي على خلفية الضربات المتكررة التي ستُوجه لها على غرار ما حدث في أكتوبر الماضي”.
وقال موريس إنّه “في حال لم يكن في وسع القدرات التقليدية لإسرائيل أنْ تجتث المشروع النووي الإيراني، عندها يجب عليها استخدام القدرات غير التقليدية من أجل هذا الهدف”، معتبرًا أنّ الأوضاع “وصلت إلى لحظات الحسم، وعلى القادة الإسرائيليين أن يتخذوا القرار”.
وانتقد موريس الهجوم الذي شنته إسرائيل على إيران ردًا على الضربات التي وجهتها طهران في نيسان (أبريل) الماضي، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “خشي من تسبب أيّ رد أقوى بهجوم مضاد من إيران ووكلائها في المنطقة”.
وأردف: “نتنياهو اعتاد خلال 15 عامًا على ضبط النفس إزاء الأضرار التي تتسبب فيها إيران لإسرائيل ولمصالحها، سواء من خلال وكلائها أو بشكل مباشر”، موضحًا أنّ الأسوأ من ذلك هو أنّه باستثناء التصريحات الهجومية، فإنّ نتنياهو لم يفعل ما هو مطلوب، أيْ منع إيران من التوصل إلى إنتاج القنبلة النووية.
وخلُص المؤرخ متسائلاً عمّا إذا كان لدى نتنياهو، الذي وصفه بالمخادع، أيّ دوافع أخرى تمنعه من العمل على منع إيران من التوصل إلى إنتاج القنبلة النوويّة؟
يُشار إلى أنّ إسرائيل لم تعلن رسميًا عن امتلاكها أسلحة غير تقليديّة، كما أنّ ضرب إيران بحاجةٍ لضوءٍ أخضرٍ من سيّدتها، رأس الأفعى أمريكا، التي بحسب التقارير الإسرائيليّة منعت الكيان عدّة مرّاتٍ من تنفيذ هجومٍ واسع النطاق لتدمير البرنامج النوويّ الإيرانيّ. كما أنّ من شأنْ استخدام الأسلحة غير التقليديّة إعطاء الضوء لحربٍ عالميّةٍ ثالثةٍ.


