أصبحت القدس ميدان قتال. كان الامر ذات مرة دونما آخر وعنزا اخرى. واليوم أصبح الامر مبنى بعد مبنى. يحول نشطاء اليمين، مزودين بكواشين قديمة وبخطط هيكلية جديدة، كل حي عربي في شرقي القدس الى حي ذي قوميتين. فمرة في الشيخ جراح، ومرة في سلوان التي أصبح اسمها "سلؤم" عند اليونانيين، وسلوان عن العرب، ومرة في شعفاط. لا توجد هناك أخوة بين الشعبين والحياة على رؤوس الرماح. أهلا وسهلا في المدينة التي ربطت اجزاؤها بعضها ببعض. يقف من الجهة الثانية "نشطاء حقوق الانسان". فهم يؤيدون الحقوق لكن بشرط ألا تكون لليهود. يوجد للشعوب كلها مثلا حق في تقرير المصير. لكن لا يوجد لشعب واحد هذا الحق. وهم يؤيدون "حق عودة" الفلسطينيين الى اسرائيل، بشرط ألا تكون اي عودة يهودية لاي مكان. لا يعني ذلك ان هؤلاء النشطاء مخطئون دائما. انهم على حق عندما يزعمون ان العودة اليهودية الى داخل الاحياء العربية في القدس، اعتمادا على ورقة ملكية قديمة تسوغ العودة الفلسطينية. وهذه هي القصة كلها. لان الوحدة بين اليمين المتطرف واليسار المتطرف تتجلى في كامل مجدها. لانه اذا كان يوجد لشخص ما ورقة ملكية لبيت في حي عربي، ومنحته المحكمة الاذن باجلاء السكان، فلا يوجد سبب يدعو الى عدم وجود حكم مشابه على مواطن عربي يسكن القدس، ويريد بيته القديم في حي الطالبية لانه يملك ورقة ملكية ايضا. واذا كانت جمعية "العاد" تعمل بحسب القانون، فان جمعية "العودة" ايضا ستستعمل القانون نفسه. قبل بضعة ايام تظاهر نشطاء حقوق انسان في شرقي القدس احتجاجا على سلب العرب وسيطرة اليهود على مبان يملكها العرب اليوم. الحق في جانب المتسلطين من جهة قانونية فهم يملكون ورقة ملكية كما يطلب القانون. اما المتظاهرون في مواجهتهم فيصرخون بسبب الظلم. كان اعتقالهم بالمناسبة فعلا قبيحا. ونقطة حضيض للشرطة الاسرائيلية. حتى لو كانت آراؤهم بغيضة الى شخص ما فلم يكن هنالك سبب للاعتقال، وقد أحسنت المحكمة الصلح عندما سرحتهم بلا شروط. بيد انه يجب ان نسأل اولئك المتظاهرين: هل ستتظاهرون على فلسطينيين يريدون تحقيق ملكيتهم لبيوت في الشيخ مؤنس او في الطالبية؟ الجواب معروف. لا عندهم جميعا بل عند أكثرهم. ان اليمين المتطرف واليسار المتطرف وجهان لقطعة نقد واحدة. وما يصح على القدس يصح على الشيخ مؤنس وعلى المجدل وعلى عشرات البلدان الاخرى. وبهذا يحسن فعل شيء من النظام. أجل، بقيت أملاك يهودية كثيرة في شرقي القدس وفي الخليل وفي أماكن أخرى. وأجل بقيت أملاك عربية كثيرة داخل اسرائيل، بعد ان هرب عرب كثيرون أو تركوا او طردوا أحيانا. كما اضطر اليهود الى الهرب بالضبط، مع مصادرة أملاكهم لا من القدس والخليل فقط بل من الدول العربية ايضا. هذا ما يحدث في الحروب. كانت النتيجة تبادل السكان. حدث ذلك لعشرات الملايين في تلك السنين وحدث ها هنا ايضا. يمكن ان يحل هذا، اذا حل، بتسوية شاملة تشتمل على صندوق تعويض لليهود الذين صودرت أملاكهم وللعرب الذين صودرت أملاكهم. يسيطر علينا في هذه الاثناء ائتلاف حق العودة من اليمين ومن اليسار. وهو ائتلاف يستعمل لغة قانونية ليحدث ها هنا اضطراب دولة واحدة كبيرة مع عودة ثنائية. هذا يحدث. انتقل 300 ألف يهودي الى الجانب الثاني من الخط الاخضر. اكثرهم في الكتل الاستيطانية التي يمكن ان تشتمل عليها أي تسوية في المستقبل. في مقابلة ذلك نجح 300 ألف فلسطيني في الهجرة، أي في تحقيق العودة منذ حرب الأيام الستة. لا يوجد أي احتمال لشملهم في المستقبل في نطاق السلطة الفلسطينية. وبهذا فاننا في هذا الصراع المدمر ندمر أنفسنا. توجد عودة. الخطابة يمينية والنصر فلسطيني. يوجد في اليمين ايضا من وقع في الشرك. فقد أعلنت تسيبي حوتوبلي، وهي العلامة اليمينية في الليكود ومناصرة الاستيطان، تطبيق القانون الاسرائيلي في يهودا والسامرة ومنح الفلسطينيين جنسية. بدل حماس في غزة سنحصل عليها في الكنيست. والحال كذلك في "القدس" حيث توجد جماعة مستوطنين يمينية تتخلى من الدولتين لمصلحة دولة واحدة. من الفضول ان نذكر ان اليسار المتطرف يوقع على الرؤيا.