خلال محادثة التعارف التي اجراها ليبرمان مع العاملين في وزارة الخارجية عندما عين في منصب وزير الخارجية سعى لاحداث صدمة في نفوس السامعين. هو دعى وسائل الاعلام لهذا اللقاء وأجلس الوزيرة المغادرة تسيبي لفني على منصة منخفضة وأوضح بأن الوزارة ستتوقف عن الانشغال في المفاوضات مع الفلسطينيين التي جذرها اسلافه وانه في كل الاحوال لا يرى احتمالية لان يوافق احد ما في الطرف الاخر على تنفيذ اتفاق سلام مع اسرائيل في العقد القادم. العاملون القدامى في وزارة الخارجية اعتقدوا بأن تعيين رئيس "اسرائيل بيتنا" هو خطأ سيتضح لاحقا مدى الصدمة التي سيتسبب بها لدرجة اكبر من تعيين هيرشزون. ولكن وزير الخارجية أشرك المستمعين في ان دخوله للوزارة الخارجية هو تجسيد للحلم منذ ان كان قادما جديدا للبلاد وطالبا في الجامعة العبرية في قسم العلاقات الخارجية. ليبرمان احاط نفسه بدبلوماسيين قدامى من المرموقين في وزارة الخارجية ومن بينهم ناؤور جالئون ورافي باراك وعين السفير داني ايالون نائبا له. في المحادثات الشخصية يظهر ليبرمان ليس فقط كانسان ذو معرفة عميقة بالوضع الجغرافي والسياسي العالمي وانما ايضا صاحب دراية بالتفاصيل وان الاهتمام بهذه المسائل هو الذي يهمه فعلا. قبل رأس السنة الميلادية استغل ليبرمان اجازة العيد في الغرب ودعى كل السفراء والقناصل الاسرائيليين للقدوم الى القدس حيث عرض عليهم اجندته كخطة عمل للوزارة للعام 2010. لب خطته يقول بأن على اسرائيل ان تعزز الصلة مع دول العالم – وتحديدا مع الدول التي تجاهلوها حتى الان ومراكمة اكبر قدر من الاصدقاء. الطريقة المقترحة: دمج المصالح المشتركة سياسيا وامنيا واقتصاديا وتجاريا. النتيجة وفقا للخطة ستكون مضاعفة: اسرائيل لن تفرط بالساحة للفلسطينيين المؤثرين بدعم من رافعة الجامعة العربية العملاقة والتأييد لاسرائيل سيتجسد ايضا من خلال عمليات التصويت لصالحنا في الامم المتحدة. ليس من الصحيح بأن الجميع في الخارج يهتمون فقط بكوننا محتلين للمناطق – هذا ما يعتقده وزير الخارجية. القيم الجديدة ليبرمان يشعر أنه يضع القطار على سكته الصحيحة بعد ان سافر 16 عاما على سكة حديد موازية لا تقود الى اي مكان وعموما من المفترض ان تكون محتكرة من رئيس الوزراء. العامل الثاني في السياسة الخارجية الذي يسعى ليبرمان تكريسه هو قيم الشرق الاوسط كما يسميها وعلى رأسها الكرامة والاحترام الذاتي والاعتزاز القومي. وفقا لمسؤول كبير في الوزارة الخارجية ليبرمان اوضح في احدى جلسات الطاقم الدبلوماسي الاسرائيلي ان الحفاظ على الكرامة هو مسألة ذات قيمة هائلة في الشرق الاوسط. الناس يقتلون بسبب الكرامة. من المحظور علينا ان نتصرف بطريقة مغايرة في هذه الحارة، اوضح لهم ليبرمان. وفقا للقيم الثلاثة الجديدة (عدم التركيز على المفاوضات مع الفلسطينيين، الاهتمام بالدول التي كانت مهملة والحفاظ على الكرامة الوطنية) يطلق ليبرمان احكامه على كل قرار يصل الى طاولة وزارته. هذا ما حدث ايضا في بداية الاسبوع عندما جلس ليبرمان ونائبه ايالون وطاقم وزارة الخارجية في لقاء عمل حول المسألة التركية. ليبرمان شاهد التقارير القائلة بأن تركيا تواصل الاقتراب من ايران واقترح تحطيم الخطوط الحمراء. على سبيل المثال طلب السفير الاسرائيلي في تركيا للتشاور. الا انه كان من الواضح للجميع ان نتنياهو لن يوافق على مثل هذه الخطوة الهجومية الحادة خصوصا بسبب محاولة وزير الدفاع ايهود باراك استغلال مكانته كممثل لليسار في الائتلاف واعادة اصلاح العلاقات مع تركيا كما يفعل مع مصر. العلاقات مع تركيا تنزلق في منحدر من اليوم الذي قرر فيه اولمرت ايقاف المفاوضات غير المباشرة مع السوريين بالوساطة التركية من دون ان يعلمهم. بعد ذلك خرج الجيش الاسرائيلي في عملية "الرصاص المصبوب". رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان اعتبر حماس حركة شقيقة لحركة الحكم التي يمثلها وليس تنظيما ارهابيا غير شرعي. عمليات القصف من الجو والاجتياح وسقوط 1400 ضحية الامر الذي تمخض عن تقرير غولدستون ادت كلها الى عدم توقف اردوغان عن مهاجمة اسرائيل حتى ليس عندما يكون شمعون بيرس حاضرا في القاعة كما حدث في دافوس قبل عام ولا حتى في هذا الاسبوع خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري. "الاحتجاج يجب ان يكون بارزا" الجهات التقديرية في اسرائيل تقرر بوضوح بأن تركيا تمر بعملية "أسلمة". في أنقرة يدركون انهم لن ينضموا للاتحاد الاوروبي ولذلك تتحول أنقرة نحو التحالف مع ايران. الجميع يجمعون بأن التحالف مع تركيا استراتيجي وهام. هذا بالضبط السبب الذي يدفع ليبرمان لتسوية المسألة مع الاتراك. احتجاج اسرائيل حول التقارب مع ايران يجب ان يكون بارزا، قرر ليبرمان. حتى هذه النقطة حصل ليبرمان على دعم كامل من رئيس الوزراء. مقاول التنفيذ لنقل الرسالة كان نائب وزير الخارجية ايالون. في مراسيم الاهانة حدث خلل واحد فقط: اوامر اخراج المشهد التي اصدرها ايالون للمصورين التقطت عبر فيلم التسجيل. القصد الاساس كان اعلام المراسلين الصحفيين بأمر الازمة والتأنيب الموجه للسفير التركي في الموضوع الايراني بعد اللقاء. ولكن المصورين في الغرفة ارادوا احياء الصورة المجمدة. ربما المصافحة اقترح احدهم. انت لا تفهم كل المقطع؟ استشاط ايالون غضبا من المصور الذي طرح السؤال ليست هناك مصافحة مقصودة ولا ابتسامات ايضا. ايالون لم يخف شيئا ولكنه لم يقصد عرض ما قاله بهذه الصورة الفاضحة الامر الذي احدث جلبة في الباحة الدبلوماسية. في البداية لم يعتذر أيالون لانه اعتقد بأنه مدعوم. صحيح انهم ضبطوه متلبسا بخطأ صغير وانه اصدر توضيحا من دون اعتذار ومن دون ذكر السفير التركي ولكنه كان مثل وزير الخارجية راضيا عن النتيجة العامة: اخيرا أرسلت رسالة مؤثرة في الاتراك. ولكن حينئذ جاء التهديد التركي باعادة السفير وتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل الى مستوى القنصليات ان لم يصدر اعتذار دبلوماسي واضح عن الحادث. وعندها اضطر ايالون بأمر من نتنياهو للاعتذار في رسالة أنهت الازمة في الوقت الحاضر. الازمة انتهت ايضا بفضل الاتصال الذي اجراه الرئيس شمعون بيرس الذي كان قد تلقى الوجبة الاولى من اردوغان، مع الرئيس التركي عبدالله غول وهكذا ضمن المنظور العام ساعد تصرف ايالون الفظ في بناء العلاقات ضمن مفهوم الشطرنج محدثا خطوة من التقارب ادت الى انقاذ الملك في هذه اللعبة. "ربما سيفهمون بهذه الطريقة" في صبيحة اليوم التالي لذلك الحادث وقبل الاعتذار توجه ايالون الى مطعم "رحمو" في سوق محانيه يهودا في القدس. ما من شك بأن الحادث حول شخصيته وهو صاحب النظارات الى شخصية تحظى بالشعبية. الناس هناك استقبلوه بحرارة. أيالون اوضح لاحدهم بأنه من الواجب احيانا الخروج عن المعتاد من اجل اعادة الامور الى نصابها. "نحن نرسل الرسائل الهادئة منذ عام ونصف من دون ان يحدث اي شيء. ليس هناك اي تغير في الموقف فربما سيفهمون بهذه الطريقة الان" قال. في الجهاز السياسي كان هناك من حاول اظهار الرسائل الحازمة ضد تركيا كمحاولة من ليبرمان لتخريب زيارة مخططة لايهود باراك لانقرة في يوم الاحد. التفحص المعمق يشير الى عدم وجود أساس لهذا الادعاء. صحيح ان هناك اختلافات في الرأي بصدد الطريقة (ليبرمان يعتقد بأن باراك يتصرف بانبطاح امام الرئيس المصري مبارك والان يمارس نفس النهج مع الاتراك) ولكن من ناحية الجوهر ليس هناك اختلاف. باراك مثل نتنياهو يعتقد بأن الاتراك يتوجهون نحو ايران. وزير الدفاع يمثل المصالح الامنية. التعاون الاستراتيجي مع الاتراك هو من مكونات الامن الاسرائيلية مثل التجارة العسكرية معها. في هذا المجال بالمناسبة ليست هناك ازمات. اللواء احتياط اوري شني المدير العام الجديد لوزارة الدفاع زار أنقرة في هذا الاسبوع. باراك يعتقد ان من الممكن استغلال التقارب التركي مع ايران لاهداف ايجابية. ان كانت تركيا تريد الوساطة بين اسرائيل وسوريا الى هذا الحد فمن الممكن تحويلها الى وسيط بين ايران والعالم. ربما توافق ايران التي ترفض نقل تخصيب اليورانيوم من بلادها على ان يتم ذلك في تركيا. مجابهات داخلية الى جانب السلوك السياسي هنا ايضا التصرف السياسي الداخلي حيث ان نتنياهو يحاول الحفاظ على ائتلافه. هو يحافظ على مبدأين اثنين: من جهة يتوجب الحفاظ على الوضع القائم ومن الناحية الاخرى على استقلالية الوزراء. في الاسابيع الاخيرة يحاول ليبرمان قيادة خطوات تثير معارضة من الشريكين الرئيسين في الائتلاف – ايهود باراك وايلي يشاي. في مواجهة باراك، المجابهة تدور حول النهج السياسي. باراك يقود الحكومة للحوار الذي لا يؤمن به ليبرمان. ربما يعتبر ذلك ضروريا في مواجهة الفلسطينيين اما مع الاتراك فهو ترف حسب رأيه. بالنسبة ليشاي المجابهة تدور حول مسائل مدنية ورفع مستوى العلاقات مع اوكرانيا الذي يقوده ليبرمان، تلك الفكرة التي يعارضها رئيس شاس. ما يجري بين ليبرمان وباراك ويشاي يشكل خطرا على الصلة القوية بين نتنياهو وليبرمان. وهكذا تنضم الى المسألة الخلافية حول فرملة فصل صلاحيات المستشار القضائي وتأييد اقتراح قانون درعي، مجابهة جديدة حول تعيين السفير في الامم المتحدة. نتنياهو استبعد الون فينكس من الترشح لهذا المنصب في الوقت الذي سعى ليبرمان لتنصيبه فيه. في البداية قام نتنياهو بتفحص ملاءمة فينكس للمنصب. فينكس سوق نفسه باعتباره شخصا ذو صلة ممتازة مع هيلاري كلينتون وانه سيقوم بعمل جيد مع الديمقراطيين. نتنياهو الذي يهتم كثيرا للعلاقات مع الولايات المتحدة درس الامكانية بجدية. مسؤولون في حاشية نتنياهو اوضحوا بأن ما استبعد فينكس عن المنصب ليس سلوكه وانما ادعاءات اخرى. في سياق هذه الادعاءات طرحت اسئلة حول المصالح التي سيخدمها وعندما كانت الايجابات واضحة نتنياهو قرر التخلي عن خدماته. ما من شك ان فينكس صاحب قدرة دعاوية فائقة بالنسبة للمتحدثين بالعبرية كما يعترفون في المستوى السياسي ولكن هل من الممكن التأكد من المواقف التي سيطرحها على الملأ؟ رئيس منظمة يهودية هامة اوضح بأن معنى تعيين فينكس هو تنصيب ممثل للمنظمة اليسارية جي ستريت في الامم المتحدة. نتنياهو الذي شغل هذا المنصب في الماضي ليس مستعدا للتنازل حتى لو كلفه ذلك مجابهة مع ليبرمان في هذه المرة.