في الزمن الماضي كان كل شيء يبدو مقلوبا. الكلام لا يخضع لقواعد المنطق. مثلما قيل ذات مرة: "الله! كم هو كل شيء غريب اليوم!"، من سمع عن السور الذي بدلا من ان يعلو فوق سطح الارض يبنى عميقا عميقا في داخلها؟ في حدود غزة – مصر يعملون هذه الايام على اقامة سور غريب يبدو أن احدا لن يراه، ولكنه مع ذلك سينهي المهمة التي بدأتها اسرائيل. سكان غزة سيكونون مغلقين ومنغلقين من كل صوب. محشورين بالبؤس والعوز، جوعى، مرضى ودون سكن مناسب. ربما هكذا يصبحون اطفالا طيبين ومطيعين مثلما تحب الدولة. اذا كان هذا يبدو لكم غير ضميري، فانتم مخطئون. بالعكس، هذا هدف سامٍ. والدليل، من ينفذ بناء السور يتعاون مع الجيش الاكثر اخلاقية في العالم. ليست دولة اسرائيل هي التي يمكنها أن تنال الحظوة على محاصرة الفلسطينيين وتعذيبهم – بل م. الرئيس المصري، اليد اليمنى للمخابرات الاسرائيلية والمنفذ الاكثر مفاجأة لرؤيا الحائط الحديدي من مدرسة جابوتنسكي. لو لم تكن هذه حقيقة، لبدت غريبة جدا. لا تعولوا بعد اليوم على عقلكم السليم، فالمتعاونون الاكثر حماسة مع اسرائيل في هذه الايام هم السلطة الفلسطينية ومصر. وهاكم نموذج آخر لمنطق مقلوب بات سائدا جدا في مطارحنا: عنوان رئيس في صحيفة واسعة الانتشار اعلن مؤخرا بان "فتح طريق 443 سيسد المدخل الى القدس". القول انه في اعقاب الفتح سيكون انسداد يبدو سطحيا مسدودا، ولكن هذا فقط لمن يخطىء في التفكير بان اولئك الذين يفتحون لهم ينتمون الى ذات الصنف ("بني البشر"؟) مثل اولئك الذين سيصطدمون من الان فصاعدا بالانسداد. في عالم يوجد فيه متساوون ومتساوون اكثر العنوان الرئيس يعكس منطقا محروقا. لم تعد هذه اعتبارات امنية بل حقيقة تقال باستقامة – مريح أقل العيش في ظل المساواة. فلماذا فجأة نوافق على الوقوف في أزمة سير ممزقة للاعصاب في طريق رقم 1؟ ماذا حصل، أنحن عرب؟ وللختام، أنباء طيبة. حق العودة بدأ يكون متحققا حقا في هذه الايام في حي الشيخ جراح في شرقي القدس. فقد وقعت هنا اعجوبة – من يحث حق العودة ليس غير المستوطنين. هؤلاء الاخيرون يطالبون بالعودة الى بيوتهم الى وثائق تشير الى انها كانت لديهم ملكية على الاراضي قبل 1948. اذا كانت الدولة تعترف بالملكية من 1948، فحسنا، الاف الفلسطينيين يحوزون على وثائق وبراهين على ملكيتهم لبيوت من الزمن الذي سبق طردهم او هربهم. جميل ساهم المستوطنون في الكفاح العادل للفلسطينيين في حق العودة الكامل الى منازلهم التي سلبت منهم في زمن اقامة الدولة. وعليه، ففي المرة التالية التي تنظرون فيها الى الواقع الاقليمي، حاولوا ان تحلوا لغزه مثل احجية "اين الخطأ في الصورة؟". ولعلكم تكتشفون بان الدولة، مثل القط في أرض العجائب يبتسم اليكم، دون جسده، ولكن له أسنان. بالفعل، عالم غريب، كل شيء مقلوب.