لا توجد خطة سياسية جديدة، لا توجد اقتراحات جديدة ولا يوجد ضغط على الاطلاق. هكذا بدأ محمود عباس المقابلة مع شبكة الجزيرة ليل يوم الخميس. هذا هو ذات الزعيم الذي لم تتغير الشروط التي عرضها للسلام منذ تسلم الحكم: القدس مقسمة، تسوية "عادلة ومتفق عليها" لمشكلة اللاجئين، تنازلات صغيرة بالنسبة للاراضي، تجد تعبيرها بـ "تبادل للاراضي" بحجم مساو ونوعية متساوية". هذه هي كل النظرية. وبالفعل، لا يهم اذا كان الحديث يدور عن عباس، ياسر عرفات ام اي زعيم فلسطيني اخر. عندما تقترب الامور من الحسم، فان الاسس التي تستند اليها كل التسوية تتعاظم فقط. للفرضية الاسرائيلية التي بموجبها عباس "معتدل" اكثر ويمكن سرقة الخيول معه، وتبادل الغمز، لا يمكن الاعتماد. اذن المفاوضات ليست مع عباس بل مع تلك الاسس اياها. عباس ليس خطابيا عظيما والكريزما ليست بالضبط ميزته البارزة. وهو يقرر احيانا قرارات يندم عليها فورا، مثلما في موضوع تقرير غولدستون او اعتزاله ولكنه يعرف ماذا لا يريد: في ورديته لن تتحطم شخصية الدولة الفلسطينية. اذا ما يعتزم احد ما حل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني في عهد عباس فسيتعين عليه ان يحرص على ان تكون حدود الدولة الفلسطينية نهائية، معترف بها، تلامس خطوط 67 مع مدينة عاصمة مقدسة لا تقل عن عاصمة اسرائيل. كل الباقي – تكتيك. وفي التكتيك ايضا، كما يتبين، عباس يمكنه ان يخطىء. اذ حتى قبل لحظة كانت تنزل على كتفه الذراع المعانق لايهود اولمرت، وكان هو ضيفا دائما في منزل رئيس الوزراء، وشريكه في الطريق، احمد قريع يدخل ويخرج من والى مكتب تسيبي لفني، وفجأة نجد الحرد. "عباس تسلق على شجرة عالية"، "هو يعرض مطالب متعذرة"، "من سمع عن التجميد الكامل للبناء في المستوطنات وبل في القدس ايضا"، ليس فقط في اوساط الاسرائيليين – بل وفي اوساط الفلسطينيين تنطلق مثل هذه التساؤلات. فقد سبق ان وافق على ادارة مفاوضات مع اولمرت عندما كان البناء في المناطق في ذروته، فما الذي ذكره به فجأة؟ عباس بالفعل يبدو كمن يتمسك بكل قوته في الـ 15 دقيقة مجد التي يستحقها كل انسان. وكأنه طالما يرفض الحديث مع نتنياهو يمكنه ان يتمتع بالمشهد الذي يطل عليه من قمة القطاع الجبلي، قبل لحظة من هبوطه الى اسفل مساره. يغازله اوباما، مبارك، عبداللله ملك السعودية وعبدالله ملك الاردن وحتى نتنياهو يستجدي ان يعود الى طاولة المفاوضات. بعناده، كما يخيل، يقرر عباس جدول الاعمال. الزعيم" الضعيف" هذا يمسك فجأة بالنرد، وهو يرفض القاءها. ولكن هذه بالضبط طبيعة خطوة عباس. طالما كان هو المفاوض الوحيد، وكان يحظى بالفعل بالربت على الكتف، الا انه لم ينجح في ان يعرض انجازا واحدا ذا اهمية. اما الان فقد غير الخطوة. وهو يتطلع من الان فصاعدا الى ان تنتقل المفاوضات الى الساحة الدولية والعربية. من يرغب في ان يعيده الى طاولة المفاوضات سيضطر الى ان يجر اليها ايضا زعماء الدول العربية، اوباما، والاتحاد الاوروبي. كل من وقع على خريطة الطريق سيكون مطالبا بأن يحقق شروطها. اذا نجح اوباما في ان يجبر نتنياهو على تجميد المستوطنات، وحتى ولو كان جزئيا، فليتفضل لاستكمال الخطوة وذلك لانه "اذا لم يكن اوباما قادرا على الضغط على اسرائيل في هذا الموضوع، فما الذي يضمن لي ان يتمكن من ضمان وجود اي اتفاق"، تساءل عباس وعن حق. اذا كان زعماء الدول العربية يريدون الوصول الى اتفاق فليتفضلوا بممارسة الضغط على البيت الابيض، اما هو عباس، فهو غير مستعد بعد الان ان يكون مندوب الرباعية الذي لم يظهر حتى الان قدرة على تقدم المسيرة. من الان فصاعدا، الرباعية ستكون مندوبة حماس كي يعود النزاع الاسرائيلي الفلسطيني الى الساحة الدولية ولا يغرق مرة اخرى في بقعة الماء الضحلة التي تتدفق بين رام الله والقدس. يبدو ان اسرائيل لم تستوعب بعد هذه الانعطافات. في القدس لا يزالون يحتفلون بـ "النجاح" الذي في مناورة واشنطن من اجل تحقيق تنازلات في مسألة التجميد. بقي ظاهرا ضبط النفس لثمانية اشهر اخرى ومفعول التجميد نفسه سينتهي هو ايضا. فالحياة رائعة، التنسيق الامني مع الفلسطينيين ممتاز، الهدوء محفوظ، حماس صدت، فلماذا التسرع. عندما يأتي الانفجار سنعرف بالطبع كيف سنعالجه.