تكتب هذه الكلمات بينما يجتمع وزراء السباعية لبحث اخر حاسم في مسألة الصفقة مع حماس. من طبيعة الذاكرة الاسرائيلية انها اذا ما اقرت الصفقة وعاد جلعاد شليت الى الديار سينتهي النقاش فورا تقريبا، حتى الحالة القادمة. كما ان التحقيق في اخفاقات الزعامة الاسرائيلية (ولا سيما السابقة) التي ساهم تهكمها وغرورها في مواصلة معاناة شليت وعائلته، وكذا جعل شارة السعر التي طرحتها حماس نهائية، لن يتم على ما يبدو: فلمن يوجد الصبر، ومن يرغب في التذكر. ولكن في هذه الاثناء يمكن التساؤل في بضعة أفكار وردت في قضية شليت ومن شأنها ان تلعب دورا في حالات مشابهة في المستقبل ايضا. الخضوع لمطالب حماس سيمس بالردع الاسرائيلي: يبدو منطقيا، ولكن ليس مثبتا تاريخيا حقا. "الردع" هو مفهوم متملص، معظمه في نظر الناظر. الانتصارات العسكرية الكبرى لاسرائيل، وعلى رأسها حرب الايام الستة، لم تحقق أي ردع. بالمقابل، ما يعتبر كخضوع عظيم من اسرائيل، صفقة جبريل هي مثال بارز، لم يؤد بالضرورة الى ارتفاع في عدد الاختطافات او في مطالب الخاطفين. بذات القدر لا يوجد أي برهان لحجة انه "في المرة القادمة سيختطفون شخصا وسيطالبون بالانسحاب من القدس": في كل حالات الاختطاف في العقود الاخيرة تعلقت المطالب بتحرير السجناء لبنانيين، فلسطينيين او اخرين. عمليا، من يخلط بين المسائل الانسانية والشؤون السياسية هو بالذات اسرائيل التي سعت قيادتها الى استخدام اختطاف شليت لخلق نظام جديد في قطاع غزة ولاضعاف حكم حماس. اصحاب القرارات يصوتون حسب موقف موضوعي من الصفقة: اذن هذا هو، يبدو ان المكان الذي يجلسون فيه يؤثر اكثر قليلا. مثال واضح هو بوغي يعلون، الذي كرئيس للاركان ايد صفقة تنباوم – المشكوك فيها اخلاقيا اكثر بكثير من صفقة شليت – وهذه المرة تحدث بشكل يمكن ان يفهم منه بأنه ضد (وفي التسريبات من الغرفة قيل انه هناك ايضا عارض). يعلون لم يغير ذوقه وهو لا يتذبذب: هو ببساطة يجلس على كرسي آخر. رؤساء الاركان يؤيدون صفقات تعيد الى الديار جنود أسرى او جثثهم. المنظمة التي على رأسها يقفون تقوم ضمن امور اخرى على اساس فكرة "نحن بعثنا بهم، نحن نعيدهم". وهم يسمعون من الجنود والمتجندين اسئلة تبين مزاجا لا لبس فيه. رؤساء المخابرات، بالمقابل يعارضون على نحو شبه دائم: لمنظمتهم يوجد دور مركزي واحد، لاحباط الارهاب، ومن ناحيتهم كل سجين محرر هو خطر محتمل، صغير او كبير. وفضلا عن ذلك، يوجد مذهب عام. كلنا عرفنا مسبقا بأن ليبرمان او بيغن سيكونان ضد، ومريدور سيكون مع. هناك من يرى حياتنا هنا من خلف العصا، وهناك من يؤمن بالحديث – وحتى موضوع مثل شليت، لا يتعلق بالسياسة العليا، يقاس على ما يبدو حسب المذهب الفكري. لقد شاركت وسائل الاعلام في حملة قبول الصفقة: توجد مشكلة في فحص سلوك "وسائل الاعلام"، الهيئة الرمزية وعديدة الاصوات. فعلى كل كاتب او متحدث في صالح الصفقة يمكن ايجاد معارض لها، وفي عدد متزايد بالذات كلما اقتربت ساعة الحسم. ما فعلته وسائل الاعلام هو الانشغال في قضية شليت – مثلما تنشغل في كل شأن – بالاساس عبر المنشور الشخصي والحسي. وهي تفعل هذا ليس لانها مع الصفقة بل لان هذا هو القاسم المشترك الادنى، الظاهرة شبه المحتمة في العصر الذي توجد فيه معظم وسائل الاعلام في اسرائيل في خطر وجودي. يوجد لوسائل الاعلام دور حاسم في تدهور الخطاب الجماهيري الى المستوى الذي يصعب فيه طرح حجة مركبة او عامة؛ فهي لا تنبع مباشرة من قضية جلعاد شليت، الا انها بالتأكيد تؤثر على الضغط الناشىء على اصحاب القرارات.