حسب المنشورات يخيل أن الجيش الاسرائيلي يستعد لفرض تجميد البناء في يهودا والسامرة وكأن الحديث يدور عن مهاجمة المنشآت النووية في ايران. سطحيا يبدو ان في هذا مبالغة واضحة. جهاز الامن يتعاطى مع الخطاب الحماس للمستوطنين وكأن الحديث يدور بالفعل عن جيش معادٍ من 300 الف نسمة. ولكن الخطاب بعيد عن الواقع. فالمستوطنون لن يحاولوا اخضاعنا بالسلاح. وهم معتادون على أن الدولة تدللهم ويخيل لهم ان سياسة "شارة الثمن" ستخيفنا. مع أنه لا يدور الحديث عن جيش عدو، يدور الحديث عن صدام جوهري بين نوعين من الصهيونية لا يستويان الواحد مع الاخر وعليه لا ينبغي الاستخفاف بحجم الصدمة التي سنمر بها قبل أن ننجح في تقسيم البلاد. صهيونية المستوطنين هي صهيونية البلاد، بينما صهيونية حاخامينا هي صهيونية الدولة. من السهل التشويش بينهما: صهيونية هيرتسل، بن غوريون، وايزمن وجابوتنسكي ترتبط بحبلها السري ببلاد اسرائيل، وكذا صهيونية المستوطنين تعترف بدولة اسرائيل ومستعدة لان تضحي بالكثير من أجلها. وليس صدفة أن المستوطنين المتدينين يتطوعون بجموعهم للوحدات القتالية، وروح التضحية من أجل العموم هي جزء مركزي في تربيتهم. ورغم ذلك، الفارق مركزي وهام، والشرخ فقط آخذ في الاتساع منذ السبعينيات. ومثلما لاحظ افيعيزر ربتسكي قبل سنوات عديدة، في كتابه الهام "نهاية المنفى ودولة اليهود"، فان خريجي الحاخام تسفي يهودا هكوهين كوك يضعون تيجانا على رأس الدولة المثالية، بينما ينزعونها عن رأس الحكومة الحقيقية. الدولة المثالية هي تلك التي تقدس الاستيطان، وعندما تقيد الحكومة الحقيقية الاستيطان، فانها تفقد شرعيتها. هذا ما يوجد خلف الاذن الذي أخذه لنفسه المستوطنون بسد طريق فارضي حظر البناء، التظاهر في احتفال القسم العسكري، تعليم خريجي مدارس التسوية بانهم يتبعون الصلاحيات التي تفوق قادتهم العسكريين. الدولة مقدسة فقط طالما تحث الاستيطان. حنان فورات أجاد في اضاءة الفارق بين نوعي الصهيونية - صهيونية البلاد حيال صهيونية الدولة – حين قال في حينه ان "فريضة اسكان البلاد فيها عدة جوانب، بينها سيادة يهودية على كل بلاد اسرائيل". في نظر التيار المركزي العكس هو الصحيح: السيادة اليهودية يوجد فيها عدة جوانب، احدها هو اسكان البلاد. يدور الحديث إذن عن فارق بين الغاية والوسيلة. حسب نهج المستوطنين فان الدولة هي وسيلة لتنفيذ "واجبنا تجاه بلاد اسرائيل بالهجرة والاستيطان" (على حد تعبير وثيقة التأسيس لغوش ايمونيم). وبنهج التيار المركزي للصهيونية فان الاستيطان هو وسيلة لتثبيت سيادة الدولة. كلما مر الوقت يتبين أن الفارق هو في واقع الحال هوة. المذهبان سيقفان الواحد حيال الاخر في صدام جبهوي: واضح لكل ذي عقل ان اسرائيل تقف امام الاختيار بين دولة كبيرة مع اغلبية عربية وبين دولة اقل كبرا مع اغلبية يهودية. الولاء لبلاد اسرائيل اصبح الخطر الاكبر على أساس الاسس للصهيونية السياسية: دولة يهودية وديمقراطية. لا حاجة للفزع. فك الارتباط مثلت كيف ستنثني صهيونية البلاد امام صهيونية الدولة في نهاية المطاف، اذا كانت الدول على ما يكفي من التصميم. ليس للمستوطنين وسائل وليس لهم ما يكفي من الامان الايديولوجي كي ينفصلوا عن الدولة، ناهيك عن القول اعلان الحرب عليها. ورغم أن الاستعداد الجذري لجهاز الامن كفيل بان يظهر مبالغا فيه، عمليا، حسنا أنه يستعد لما سيأتي بجدية قصوى: على اسرائيل أن توضح للمستوطنين بان الصهيونية لن تحتمل أي محاولة لوضع البلاد فوق الدولة التي اقمناها عليها.