مرة اخرى عدت من نيويورك، ومرة اخرى التقيت هناك بمجموعة من الاصدقاء الذين يشكلون بالنسبة لي نوعا من الاستطلاع الشخصي لما يجري في امريكا – بعضهم صحافيون في الماضي والحاضر، بعضهم سياسيون وبعضهم رجال اعمال. في السنة الماضية وقف في مركز تجربتهم الاعجاب بأوباما قبل انتخابه. فقد توقعوا العظائم لامريكا تحت قيادته ورأوا فيه الجانب الايجابي من جورج بوش "غير المناسب". هذه المرة جئت الى الولايات المتحدة حيث ان رجلا اسود اخر، تايغر فداس، "يسرق" من اوباما العناوين الرئيسة. لا يمكن وصف حجم خيبة الامل التي الحقها فداس بالامريكي العادي الذي رأى فيه رمزا للرياضة الطاهرة والرجل المستقيم الذي يبث عبر الشاشة التواضع والمصداقية. دون صلة به، هذه المرة بات اصدقائي اكثر تحفظا من اوباما. فهو مثابة امل لم يتحقق بعد. بعضهم يعزون له الانتعاش في سوق الاسهم على خلفية التدخل الحكومي الذي جاء خلافا للمواقف التقليدية للحزبين. اخرون، ولا سيما رجال الاعمال، تحدثوا بالذات عن الدين الهائل الذي سدد في الميزانية الامريكية. بالنسبة لهم، الازمة لا تزال في ذروتها ومؤشراتها ستظهر في المستقبل. هؤلاء واولئك على حد سواء يفترضون بان الاقتصاد الامريكي وحده هو الذي سيحسم مصير اوباما، سلبا كان ام ايجابا. بالنسبة لي السياسة الخارجية، سمعت رأيا مشوقا. مع ان اوباما مقبول في اوروبا وفي العالم الواسع، الا ان الولايات المتحدة، تحت قيادته، تفقد تفوقها بل وتأثيرها السياسي الشامل على العالم. تعلق الولايات المتحدة بالاسواق الخارجية كبير، ولا سيما عندما يدور الحديث عن الصين الحمراء. ورغم محاولات التمويه، فان بعضهم خائب الامل من قدرة اوباما على القيادة والتوجيه، ولكن اخرين يعتقدون بأن "حتى ادراج تشرشل، كنيدي وكلينتون ما كان ليجدي اكثر حين تبدأ الولاية مع مثل هذه الازمة العالمية على رأسك". بالنسبة للشرق الاوسط، الجميع يفكرون بأن على اوباما ان يتدخل في المسيرة لان برميل البارود مهدد جدا. برأيهم، الرئيس يدير سياسة متوازنة جدا تجاه اسرائيل. لقد سبق ان تعرضت في الماضي لانتقاد على اسرائيل في الولايات المتحدة، ولكن مؤخرا بات هذا الانتقاد اكثر غضبا. احتلال المناطق والاحتفاظ بها يصبحان انتقادا صريحا. الجدال داخل اسرائيل مفهوم لديهم، ولكنهم يدعون بأنه مطلوب حكومة قوية وشجاعة يمكنها ان تتوصل الى تسوية. لا يوجد هناك عطف على العرب ويوجد نفور من الانظمة في السعودية، في سوريا وحتى في مصر. اما للفلسطينيين فمحفوظة لديهم لهم زاوية حارة وسياستنا تجاههم تحظى بالانتقاد. تقدير اضافي بلورته هو ان اوباما يبني تأييدا في اوساط الجمهور الهسباني، الجمهور الذي لم يكن ابدا في جيب الحزب الديمقراطي. وهو يطور العلاقات معهم ويحاول ايضا تحسين مكانة بلاده في امريكا اللاتينية. تأييد هسباني كفيل بأن يرجح الكفة في صالحه في كل حملة انتخابية مستقبلية. اليهود كعنصر انتخابي هامون، ولكنهم ليسوا حاسمين. وهم يتخذون اكثر فاكثر صورة العنصر المالي في مساهمتهم في الحملات الانتخابية. السنة القريبة القادمة ستكون سنة اختبار لاوباما. ارسال الجنود الى افغانستان يستقبل كخطوة ضرورية ولكنها عديمة الاحتمال بالتغيير الدراماتيكي للوضع هناك. الاقتصاد لا يزال يراوح في المكان وانعدام الامان الاقتصادي يقف في تناقض مطلق مع الثقة النسبية للاسرائيليين باقتصادهم. الرئيس الاسود لا يزال غرسة غريبة في التجربة الامريكية. اختراق اوباما يبدو خارقا واثار حماسة شديدة، الى جانب انتقاد واحباط. في المستقبل فقط سيثبت اذا كان سيندرج في القصة القومية لعظام الرؤساء ام سيكون رئيس امبراطورية متدهورة "آخر".