في حين ما زال جميع الاطراف يبحثون عن وسيلة للنزول عن الاشجار العالية التي تسلقوها في شأن المعاهد الدينية التحضيرية، يحسن ان ننتبه الى نقطة خطابية صغيرة. عندما دعا وزير الدفاع باراك الحاخام ميلاميد الى مساءلة في شأن موقفه من رفض الخدمة، علل "مقربو" الحاخام (لانه لا يوجد شخص في اسرائيل ليس له مقربون) رفضه الحضور بقولهم "يبدو ان وزير الدفاع نسي ان رؤساء المعاهد الدينية لا يعملون عنده". يمكن ان نجادل في حقيقة هل يعني ان الدولة تنفق على طلاب المعهد الديني التحضيري، وعلى أجرة الحاخام ميلاميد نفسه كرئيس للمعهد، ان الحاخام ميلاميد يعمل او لا يعمل عند وزير الدفاع. لكن هذا القول يثبت شيئا ما هو مثل خيط ثان في مواجهات المعسكرات السياسية في اسرائيل للسلطة: فما يسمى اليمين خاصة، وهي كلمة تعني في العالم تمجيد الدولة وتفضيل مصلحة الدولة على حرية الفرد عندما تتصادمان، له عندنا نظرة حرة ونقدية واكثر مناسبة في نظري للدولة ورموزها مما يسمى "اليسار". فاليمين في اسرائيل يعرف كيف يتظاهر افضل من اليسار، ويعلل اكثر من مرة لوسائله بتعليلات مأخوذة من نظرية انصار حقوق الفرد في العالم. كانت الامثلة البارزة على ذلك مظاهرات "هذه ارضنا" في التسعينيات او احداث كفار ميمون عشية الانفصال. لم يحجم متظاهرو اليمين عن سد الشوارع، ورفض اوامر الشرطة والتحدي الواضح لسلطة افراد الجيش فيما يتعلق بمواطني الدولة. الهدف الذي احتجوا من اجله يراه معارضوهم احتلالا وقمعا؛ لكن الوسائل اشتقت من تصور سليم يقول انه لا يوجد اي قداسة لمؤسسات الدولة وممثليها، وانه يحل للمواطن ان يحتج عليها بل ان يتمرد على سلطتها ما ظل يفعل ذلك بوسائل غير عنيفة وما ظل مستعدا لدفع الثمن الشخصي الذي يصحب ذلك. ان الشيء الذي يسمى "يسارا" في اسرائيل، في مقابلة ذلك ينظر الى الدولة على نحو ينسب في العالم الى اليمين الاكثر محافظة. فهو "يسار" في نظره لحدود الدولة فقط. وأكثره ليس يسارا بالمفهوم الاجتماعي – الاقتصادي، وليس يسارا في نظره الى الدولة. ان قليلا فقط منه ينظرون اليها نظرة ليبرالية تقول ان الحديث عن اداة يفترض ان تخدم المواطن وان حقوق الفرد تسبقها. ينبع ذلك من ان اليسار في اسرائيل نما من المؤسسة الاجتماعية التي اقامت الدولة وتتماهى معها. ان كثيرا من قادة الجيش الاسرائيلي ومحاربيه في العقود الاولى أتوا منه وهم غير قادرين على ان يروا الجيش اداة وقادته موظفي جمهور. برغم ان الصورة السياسية والاجتماعية في اسرائيل تغيرت تغيرا تاما، فان اكثر مصوتي اليسار ما زالوا يرون انفسهم كأن الدولة "لهم" وانه لا يحل زعزعتها هي ومؤسساتها حتى لو سلكت سلوكا يختلف تماما عما يؤمنون به. اما اليمين الذي أتى غير قليل فيه من الهامش الاجتماعي، فمواجهته لها اقل صعوبة. لا يعمل المواطن في الحقيقة عند وزير الدفاع. ان مشاركة الجيش في عمل الشرطة في تطبيق القانون على المواطنين كارثة في الحقيقة على الديمقراطية وعلى الجيش نفسه. يحل للمواطن ان يفعل كل شيء لا يحظره القانون، ويحل له ايضا ان يخل بالقانون اخلالا غير عنيف ما ظل يقبل العقوبة التي تصحب ذلك ايضا. لا يوجد اي شيء مقدس في الدولة؛ فهي انتظام للمواطنين من اجل تحسين حياتهم واحراز اهداف يمكن احرازها بعمل جماعي فقط. كل ذلك مفاهيم اساسية للتصور الليبرالي، لكن حاخاما ارثوذوكسيا محافظا جدا في اسرائيل اشد ايمانا بها ممن يعلن بأنه يساري، لانه يؤيد الانسحاب من الضفة. وهذا احد الاسباب وليس الصغير فيها الذي يبين لماذا لا يوجد لليسار الاسرائيلي قوة ولا بقاء.