ان قرار المضي الى صفقة شليت كما يبدو هو في أساسه حسم عاطفي لمن اضطر الى ان يواجه عائلة شليت وخطر ان يختفي جلعاد فجأة مثل رون اراد. لا يوجد له أساس ولا تسويغ من ناحية منطقية. فبحسم كل منطق، استبدال أسير واحد بما يقرب من 1000 أسير هو اجراء داحض لا مثيل له، الى انه يتم على يد رئيس حكومة يمتلىء ماضيه بأقوال وكتابة مقالات صارمة حادة معارضة لصفقات من هذا النوع. انا على ثقة من ان نتنياهو يتعذب عذابا شديدا لموافقته على شروط الصفقة، ومن السهل جدا العيب عليه بل السخرية منه في هذا الشأن. أعاود اقتراح ألا نسلك هذا السلوك. بل العكس أرى ان رئيس الحكومة يستحق تقديرا كبيرا لانه برغم ما كتب وقال في الماضي توجد عنده القوة للمضي الى الصفقة التي بقيت للاسف الشديد الطريق الوحيد لاعادة جلعاد الى البيت. وفوق ذلك ان يتحمل النقد والعيب اللذين سيزدادا بعد تنفيذ الصفقة، عن اجراء يعتقد في خفايا قلبه انه لا يستحق ان يتم. ان الساسة وآخرين (ليسوا ابناء عائلات ثكلى) ممن لا تلقى عليهم اي مسؤولية ولا يجب عليهم ان ينظروا في عيون ابناء عائلة شليت الحزينة، هم ابطال لمواجهتهم ضغوطا عظيمة ولاتخاذهم القرار الحاسم. انهم بُرآء من أي تقدير عاطفي وانساني، يستطيعون ان يسمحوا لانفسهم بأن يكونوا موضوعين ذوي حساب فقط. ان يطلبوا تناسبا عدديا يختلف عما كان في الماضي في هذه الصفقة خاصة، وان يضخموا الاخطار الكامنة فيها، وان يطلبوا عدم تنفيذها وان يدعوا جلعاد لمصيره. اجل، يصعب عليهم ايضا عندما يجعلونهم يواجهون مباشرة سؤال المصير الشخصي للجندي المختطف والخطر على حياته الذي يكتنفه. ان بعضهم يتلعثم في جواب هذا السؤال، ويهرب اخرون الى التعبير عن تقدير وفهم لا ينتهيان لنضال عائلة شليت النبيلة. بل ان السفهاء منهم يضيفون الجملة الحمقاء: "لو حدث هذا لابني، لقلبت العالم وطلبت ان ادفع كل ثمن عن اطلاقه". فلماذا اذن لا يدفع عوض جلعاد الثمن المطلوب ألأنه ليس ابنك؟ لا أحب ألا أفهم كما ينبغي: فأنا ايضا ارى الثمن عاليا جدا على نحو مجنون، وأنا ايضا اوافق على وجود خطر ان يعود بعض المحررين الى نشاط ارهابي ويجب في رأيي ايضا وضع حد للابتزاز الفلسطيني. لكن لا في هذه المرة. لقد عبرت عن هذا الرأي في الماضي، وانا اسمح لنفسي في الايام التي يبدو ان الصفقة توشك ان تتم فيها، ان اكرر جملة كتبتها في الماضي: لا يحل ان نغير بأثر رجعي سياسة وطرائق عمل في موضوع جد مؤلم وحساس عندما يكون مصير جندي ما ملحا. وأضيف ها هنا: يشبه هذا ان نحكم عليه بالحياة او الموت. لهذا فان القرار العاطفي صحيح هذه المرة. وماذا سيكون في المستقبل بعد عودة جلعاد؟ هذا سؤال صعب. مرة اخرى يقول المنطق وانا أؤيده، انه يجب على اسرائيل ان تغير سلوكها في موضوع تبادل الاسرى والمختطفين؛ وان تأخذ بخطوط حمراء وقواعد صارمة وأكثر تناسبا لتبادل كهذا، وان يصحبها التزام حازم ربما يؤيده القانون ايضا، ألا يتم تجاوزها. هل ستستطيع الدولة ان تثبت لقضاء كهذا يعني تغيير حمضها النووي الوطني؟ هل سيثبت الرأي العام لذلك؟ ان القيمة التي ننسبها لحياة الانسان، بخلاف خصومنا الفلسطينيين، بل بخلاف الامريكيين كما تبين في العراق، تعيدنا الى مجال العاطفة وتشكك في هذا الامكان. ثمة من يقول ان قلقنا لحياة الانسان هو ضعفنا لكن ضعفنا هذا هو قوتنا ايضا. هذا صحيح من جهة اخلاقية لكنه ليس كذلك عمليا. في علاج قضية شليت، كما في حالات مشابهة في الماضي، ضعفنا هذا هو ضعف عام وان اعينكم لترى ذلك. ثمة خوف من ان يظل يتحكم بنا في المستقبل ايضا. فالدولة كالانسان لا تتغير في هذه السن.