"حكم؟ أي مشكلة حكم؟ في اسرائيل يوجد حكم فردي. رئيس الوزراء يقرر كل شيء. وهو أقوى بكثير حتى من الرئيس الامريكي". هكذا يقول وزير كبير يتحدث من تجربته: فقد شارك في عدة حكومات وفي المحافل الاكثر اغلاقا، ولكنه عرف دوما بان القرارات الحقيقية تتخذ في المرتبة القيادية التي فوقه. الادعاءات الدارجة على لسان السياسيين وخبراء العلوم السياسية وكأن من الصعب الحكم في اسرائيل بسبب الازمات والتبدل المتواتر للحكومات، تبدو له سخيفة. وهو يقول ان الحكم هنا أقوى مما ينبغي. رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو أثبت هذا الاسبوع بان هذا التشخيص صحيح. فقد ألغى ضريبة الجفاف، أجل تقسيم مهام المستشار القانوني للحكومة وجمد اقرار قانون المخزون البيولوجي. في الحالات الثلاثة قرر نتنياهو لوحده وشطب بجرة قلم جهود وزراء ومشرعين آخرين. قوة رئيس الوزراء في طريقة الحكم الاسرائيلية لا تنبع من صلاحياته الرسمية. القانون يمنحه قليلا من الصلاحيات الخاصة، مثل القدرة على اقالة وزراء. حسب القانون، السلطة التنفيذية هي الحكومة، وقراراتها تتخذ بالتصويت – الذي يكون فيه صوت نتنياهو مساويا لصوت كل واحد من الـ 29 من الوزراء الاخرين. هكذا في القانون. أما في الحياة الحقيقية فرئيس الوزراء هو الذي يقرر في شن الحرب، يصادق على العمليات والطلعات الجوية خلف الحدود وعمليات الاجهزة السرية. وهو مسؤول عن شؤون الذرة، يقرر الميزانية، ويدير علاقات خارجية وعلى رأسها العلاقة مع البيت الابيض في واشنطن. لا يوجد قرار ينطوي على تغييرات في الميزانية او خيار بين مواقف متناقضة للوزراء والوزارات، لا يصل الى حسم رئيس الوزراء. القوة الرسمية لرئيس الوزراء تنبع من وثيقتين: نظام الحكومة ووثيقة "الدستور الامني". المادة الاولى من نظام الحكومة يقضي بان رئيس الوزراء "يقرر جدول أعمال جلسات الحكومة". وهكذا يكون بوسع نتنياهو ان يقرر حجم الميزانية التي تطرح على الحكومة للمصادقة، وهكذا يكون له حق الفيتو على مبادرات الوزراء، مثل المبادرة لتقسيم مهام المستشار. الوثيقة الثانية، التي لم تنشر رسميا ابدا، تقسيم الصلاحيات والمسؤوليات في الشؤون الامنية بين رئيس الوزراء ووزير الدفاع. وقد صيغت بعد ان نقل ليفي اشكول حقيبة الدفاع الى موشيه دايان في 1967 وتقضي بان العمليات خلف الحدود تستدعي مصادقة من رئيس الوزراء. وهكذا يكون بوسع رئيس الوزراء أن يتحكم بالاعمال العسكرية، وان كان القانون لا يعطيه أي مكانة في الرقابة المدنية على الجيش الاسرائيلي. في الولايات المتحدة الرئيس هو السلطة التنفيذية وهو يركز الكثير من الصلاحيات في ايديه، ولكن للرؤساء تجربة قليلة. براك اوباما يوجد في السياسة منذ 12 سنة، منها فقط سنة واحدة في منصب تنفيذي كرئيس. الحياة السياسية لجورج بوش استمرت 14 سنة وبيل كلينتون 24 سنة. وماذا عندنا؟ عندنا السياسيون خالدون، حتى عندما يتنقلون بين الاحزاب والمعسكرات، الائتلافات والمعارضات، وحكومات الوحدة الوطنية. نتنياهو يوجد في السياسة منذ 21 سنة وكان قبل ذلك سفيرا في الامم المتحدة. ايهود باراك انضم الى الحكومة قبل 14 سنة قبلها ادى مناصب تنفيذية كبيرة في الجيش وشارك في عدد لا يحصى من الجلسات مع القيادة السياسية. ارئيل شارون وايهود اولمرت قضيا عشرات السنين في الساحة السياسية الى أن صعدا الى القمة. سياسيون مثل سلفان شالوم، ايلي يشاي وبنيامين فؤاد بن اليعيزر تنقلوا بين الكثير من الحكومات والمناصب الى أن تقرروا في الوعي العام كوزراء على مدى حياتهم. ولا يمكن بالطبع نسيان شمعون بيرس الخالد. من هنا يمكن استخلاص الاستنتاج بانه عندما يكون الزعماء ضعفاء وعديمي التجربة، يحتاجون الى دعم من طريقة الحكم وتنظيم قويين. هكذا مبنية امريكا: دستور، ادارة كبيرة، فصل السلطات. وفي المكان الذي تكون فيه طريقة الحكم والتنظيم متهالكين، مثلما هو الحال عندنا، عندما لا يكون هناك دستور وانظمة والحكومة متعلقة بائتلاف مرشح للازمات، يحتاج الزعماء الى التجربة من أجل البقاء في الحكم والنجاح. هذا هو السبب الذي يجعلنا نحبهم في الولاية الثانية، الراشدة، وليس كشبان واعدين وعاصفين ولكن عديمي التجربة السياسية. الطريقة الاسرائيلية، اذا كان ممكنا تسميتها كذلك، مخوطة لاوضاع لا تكون فيها طريقة. وهي ملائمة لثقافة الارتجال والاعتباط، والجمهور يحبها. وهذا هو السبب الذي يجعل الاصلاحات التي يقترحها خبراء العلوم السياسية في محاولة "لان نكون مثل امريكا"، لا تثير حماسة الناخبين. اعطونا بيرس وبيبي، براك وفؤاد، ودعوكم من الدستور وما ادراك ما الدستور. ولكن حتى في الطريقة الاسرائيلية رئيس الوزراء ليس كلي القدرة. قوته محدودة في شؤون الدين والدولة وفي سياقات السلام. فليس في وسعه ان يغير وحده الوضع الراهن الديني، وان يقرر دفع مواضيع مدنية الى الامام او في حركة الباصات في ايام السبت (باراك اعلن في ختام ولايته عن "الثورة العلمانية". ماذا في ذلك). كما أن رئيس الوزراء لا يمكنه ان يقرر "من هو اليهودي"، ولا حتى في الفترات النادرة التي كان فيها المتدينون خارج الائتلاف. المسيرة السلمية تطرح تحديا أكبر لـ "قدرة الحكم": رئيس الوزراء يقرر بنفسه – وسرا – اذا كان سيسير نحو تسوية، او خطوة احادية الجانب لاخلاء اراض، وعندها عليه أن يبلور له اغلبية في الكنيست، التي على نحو شبه دائم اكثر يمينية من الحكومة القائمة. وحتى شارون الشعبي اضطر لسنة تقريبا، كي يقر خطة فك الارتباط عن غزة. هكذا هو الحال في اسرائيل: ليس للحكومة مشكلة في تجنيد اغلبية هائلة في الكنيست (وفي الاستطلاعات) في صالح شن حرب، على الاقل الى ان تتعاقد – ولكن من الصعب عليها أن تجد أصابع تؤيد اتفاق سلام. اليمين أسقط اسحق شمير ونتنياهو (في الولاية الاولى له)، كعقاب على توجههما الى المسيرة السلمية. وهذا هو السبب الذي يجعل من السهل على نتنياهو الانشغال بضريبة الجفاف واكثر صعوبة بكثير أن يحرك خطوة سياسية الى الامام.