في العاصفة التي ترفض أن تهدأ حول تقرير غولدستون تفوت بشكل عام مسألة مركزية: آثار الوثيقة المناهضة لاسرائيل على مجال المناورة التي ستكون تحت تصرف الجيش الاسرائيلي في المواجهات المستقبلية. ردود الفعل الاسرائيلية على استنتاجات لجنة غولدستون حول حملة "رصاص مصبوب" في قطاع غزة تتميز بشحنة كثيفة من الشعور بالاهانة والغضب. كيف يحتمل أن تقف الامم المتحدة خلف وثيقة مليئة بالاكاذيب والاضاليل ولماذا لا يوجد في التقرير أي منظور، بالنسبة لجرائم حماس او سلوك الجيوش الغربية في المواجهات ذات الطابع المشابه، مثلما في افغانستان، العراق والشيشان؟ ولكن مسألة جوهرية بقدر لا يقل عن ذلك تتعلق بالحرب القادمة. في السطر الاخير، ايران، وفروعها، حماس وحزب الله حققوا من خلال التقرير انتصارا كبيرا يتجاوز كثيرا المستوى السياسي والاعلامي. ريتشارد غولدستون الذي توجه الى التحقيق على أساس ايديولوجي واضح عمل في واقع الامر كـ "عميل بغير علمه" لايران. المعنى العملي للتقرير هو ان اسرائيل جرت الى فخ. الحرب القادمة، حيال تهديد اكثر جسامة من ذاك الذي طرحته حماس، من شأنها ان تدار بيدين وقدمين مكبلة. رئيس الاركان، الفريق غابي اشكنازي قال هذا الاسبوع لاعضاء لجنة الخارجية والامن في الكنيست ان حزب الله يحتفظ بصواريخ ذات مدى 300 – 325كم. بعد ذلك عاد ورد الاتهامات على سلوك الجيش الاسرائيلي في غزة. وقال اشكنازي بحزم: "لست قائد جيش قتلة، سالبين وناهبين ومغتصبين". الكلمات ذات معنى. الموضوع هو أن قولي رئيس الاركان يرتبطان الواحد بالاخر. الخط العنيد لديه بالنسبة لغزة يرمي، الى جانب اعلان الاسناد للجنود، ايضا الى منع اقامة لجنة تحقيق في اعقاب تقرير غولدستون. هذا هو الموقف المعلن للجيش إذ ان هكذا قضى رئيس الاركان، ولكنه بعيدا عن ان يعكس الاجماع. اشكنازي والنائب العسكري العام اللواء افيحاي مندلبليت حذرا منذ موعد قريب من انتهاء الحملة في غزة من أن تلبث التحقيقات العملياتية والتحقيقات الجنائية، سيعمل في طالح اسرائيل. اقوال مشابهة سمعها المستشار القانوني للحكومة ميني مزوز، الذي ساند نهج النائب العسكري العام، من خبراء أكاديميين. الحاجة لفحص اسرائيلي آخر لاحداث غزة لم تختفي بعد تقرير غولدستون ولا تتعلق فقط بالمخاطرة المتزايدة برفع دعاوى قضائية ضد ضباط الجيش الاسرائيلي في خارج البلاد. رغم التحفظات الواهنة من الادارة الامريكية، يضع التقرير اسرائيل تقريبا كدولة منبوذة. استنتاجاته تقتبس في كل مكان وتحظى بالتدريج بمفعول الوثيقة الملزمة. ولكن التقرير لا يغير جوهر التهديد الذي ستقف امامه اسرائيل في جولة قتال اخرى في غزة، ولا سيما في لبنان، والتي من المتوقع أن تكون اشد خطوة في قوتها – صواريخ اكثر، دقة اكثر ومدى ابعد. الصواريخ والمقذوفات الصاروخية التي نشرها حزب الله وحماس تغطي كل اراضي الدولة "من ديمونا شمالا"، كما يصفون ذلك في شعبة الاستخبارات في الجيش الاسرائيلي. في كل حرب في المستقبل سيتعين على الجيش الاسرائيلي أن يعمل في الجبهة، في ظل تلقي قصف شديد في الجبهة الداخلية الاسرائيلية. لوقف النار ستكون حاجة الى استخدام قوة عظيمة، بالتداخل بين النار الكثيفة والمناورة (حركة برية للقوات). في حرب لبنان الثانية وفي "رصاص مصبوب" منحت ادارة بوش يدا شبه حرة لاسرائيل في كل ما يتعلق باستخدام قوتها العسكرية. في اليوم الاول من الحرب في لبنان وضعت وزيرة الخارجية الامريكية في حينه، كونداليزا رايس لرئيس الوزراء ايهود اولمرت خطين احمرين: دون المس بالبنية التحتية الاستراتيجية والاهداف المتماثلة مع حكومة السنيورة التي تدعمها واشنطن. ولكن باستثناء هذين القيدين (ومع ان رئيس اركان الحرب، دان حلوتس، يدعي بان هذين القيدين هما اللذان منعا اسرائيل من الانتصار في المعركة)، امتنعت الولايات المتحدة عن التدخل. في "رصاص مصبوب" بات بوش يعد ايامه تنازليا في البيت الابيض واولمرت قرر انهاء الحملة قبل لحظة من اداء الرئيس الجديد براك اوباما اليمين القانونية. الدول المنبوذة لا تحصل على حرية عمل كهذه. ضد من يعتبر ولدا مزعجا في المنطقة (أتذكرون "رب البيت جن جنونه"؟) التدخل الامريكي من شأنه ان يأتي في موعد أقرب. صحيح أن اوباما يستخدم اساليب مشابهة، وعلى رأسها "الاحباط المركز" (الاغتيالات الجوية) في افغانستان، ولكن المذهب الليبرالي للادارة الى جانب الاتصال الاشكالي بعض الشيء بين الرئيس وبين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من شأنهما ان يمليا رد فعلها. لا يكفي ان يبدي الزعماء، الجنرالات ورجال القانون في الغرب، الذين يزورون البلاد، فهما اكبر للمصاعب الاسرائيلية في الغرف المغلقة، ويبكون على عدم ملاءمة قوانين الحرب القديمة مع القتال غير المتماثل حيال منظمات الارهاب. مثل هذا لتغيير لن يتحقق في شهر – شهرين وبالتأكيد لن يولد كمبادرة اسرائيلية. احتمال قبول المطلب الاسرائيلي بتغيير القواعد، مثله مثل احتمال شخص مقدم الى المحاكمة في محكمة السير ويطالب قضاته بان يلغوا قيد السرعة. في النظرية وفي الخطاب، القيادة السياسية والعسكرية العليا في اسرائيل تفهم جيدا أي شطرنج مركبة تلعبها ضدنا ايران. في الممارسة، "رصاص مصبوب" – دون تجاهل الانجاز الهام الذي حققته الحملة بفرض الهدوء الطويل نسبيا لسكان الجنوب – خلقت بشكل غير مباشر ظروفا محسنة للعدو في مواجهة مستقبلية. الجولة القادمة كل هذا هام جدا لان الجبهات المختلفة، وعلى رأسها الشمالية من شأنها أن تشتعل في السنة القادمة – سواء كرد على خطوة اسرائيلية ضد ايران، أو كخطوة ايرانية مسبقة للتشويش على ضربة اسرائيلية. في الهدوء الامني على الحدود اللبنانية يوجد بعد مضلل. ينبغي التعاطي معه بصفته زمنا مستقطعا، قبل أن تشجع مشاكل لبنانية داخلية او ازمة ايرانية حول مواصلة البرنامج النووي، تصعيدا جديدا حيال اسرائيل. لا حاجة لاكثر من عملية واحدة ذات اهمية – اختطاف جنود في الشمال او هجوم من حزب الله على سياح اسرائيليين في الخارج – لاشعال الحرب. يكاد لا يمر اسبوع لا يطلق فيه وزير الدفاع ايهود باراك تهديدا بموجبه سترى اسرائيل في حكومة لبنان مسؤولية مباشرة عن كل عدوان من اراضيها. تحذيرات باراك تصبح اكثر تركيزا في ضوء الاتفاق لضم حزب الله الى الائتلاف اللبناني. ولكن القيود التي طرحتها رايس على اولمرت من شأنها أن تلقى مفعولا متجددا، لدى اوباما وبعد غولدستون. فهل يمكن املاء معركة قصيرة دون المس بالبنى التحتية اللبنانية؟ حسب تقرير ناحوم برنياع في "يديعوت احرونوت" بلور نتنياهو منذ الان استنتاجاته من غولدستون: فقد حروب قصيرة، تنتهي قبل أن يتمكن العالم من الصحوة. هذه نظرية مرتبة، المروج الاساسي لها في هيئة الاركان هو رئيس شعبة التخطيط (والطيار القتالي)، اللواء امير ايشل. "قصير، يكاد يكون هو الاسم السري لـ "جوي". يستغرق وقتا اطول تحريك مناورة ذات مغزى على الارض من قصف بيروت من الجو. في لحظة الحقيقة، ستقف اسرائيل امام معضلة قاسية: هل تبادر الى ضربة كثيفة لازالة الخطر، رغم الضرر الدولي الواضح المتوقع في اعقابها؟ اسناد اشكالي في المسار القصير من لبنان الى لاهاي، كانت غزة محطة انتقالية ذات أهمية. في قيادة وزارة الدفاع يعترفون اليوم بما نفي علنا قبل عشرة اشهر. الحساسية المقدرة للرأي العام الاسرائيلي تجاه سقوط جنود المعركة، كانت في قلب اعتبارات القيادة السياسية عشية الانطلاق الى الحمة في القطاع. وكان الافتراض بان قتلى كثيرين للجيش الاسرائيلي سيؤدي الى ضغط جماهيري لوقف القتال ويجعل من الصعب عرضه كانجاز عشية الانتخابات للكنيست. لقد فهمت هيئة الاركان ما يتوقعه منها السياسيون وعملت بما يتناسب مع ذلك – قوة شديدة ودمار محيطي كبير، بهدف الحفاظ على حياة جنودنا. هنا عملت ايضا نظرية شفوية حددت الاستعداد للمخاطرة بالحد الادنى فقط لحياة المقاتلين، حين يكون على كفة الميزان بالمقابل منع مس بحياة مواطني العدو. اشكنازي، مهما كان فظا وذا نزعة قوة في علاقاته مع مرؤوسيه يتميز بالذات بالحذر وكبح الجماح في استخدام القوة العسكرية. ولكن الرقابة على هيئة الاركان كانت بعيدة عن الكمال والكثير تبقى لتفكير القادة الميدانيين. "اذا كانوا جميعا هرتسي (هليفي قائد لواء المظليين، ع. هـ) لكان هذا انتهى الى هذا الحد او ذاك على ما يرام" تنهد ضابط كبير شارك في الحملة. "ولكن ما العمل اذا كان لا يوجد في كل قطاع هرتسي – وهذا وجد تعبيره ايضا في النشاط نفسه وفي التحقيقات التي تلته ايضا". الجيش الاسرائيلي لم يسارع على نحو خاص للتحقيق في الاعمال الشاذة في الحملة، او في اتخاذ خطوات ضد المسؤولين عنها. شهادات اختلفت مع الخط الرسمي ردت بعنف ("نحطم الصمت") او اخفيت في تحقيقات سريعة للشرطة العسكرية (قضية معهد رابين). تقرير غولدستون مخوط بدرزات فظة ومليء بالافتراءات، ولكن اسرائيل تجد صعوبة في صد واحد من المزاعم المركزية للجنة والذي يقول ان الجيش الاسرائيلي لم يحقق كما ينبغي في الحملة. الجولة الاضافية في هذه المعركة الطويلة تدور الان، في الجدال حول هل يوجد مجال لتحقيق داخلي جديد، في اعقاب التقرير. النائب العسكري العام مندلبليت قال هذا الاسبوع لـ "هآرتس" انه أمر بتحقيقات اضافية من الشرطة العسكرية، في اعقاب اتهامات محددة طرحها غولدستون. مشكوك ان يكون هذا بكاف لصد الضغط الدولي. ولكن محور اشكنازي – باراك يمنع حاليا خطوة أوسع. الكلمة الاساس في ادعاءات رئيس الاركان والوزير هي "الاسناد" ولكن يطرح السؤال كيف يقدم الاسناد في حالات لا تكون فيها الحقيقة واضحة بكامل لزومها. على الاسناد ان يمنح لتسعين ونيف في المائة من القادة والجنود، الذين قاتلوا في غزة واياديهم نظيفة، عملوا هناك حسب المقاييس المهنية وبنية طيبة. لا مبرر لاعطاء اسناد لمن هدم، حسب الاشتباه، عشرات المنازل في الايام الاخيرة للحملة، اذا تبين ان هذه حملة عقاب وليس حفاظا على أمن القوات. البروفيسور موشيه هلبرتال هو فيلسوف، من كتاب وثيقة "روح الجيش الاسرائيلي" المدونة الاخلاقية الملزمة للجيش. في مقال معلل جدا نشره قبل اسبوع في مجلة "نيو ريببليك" الامريكية يحطم معظم الاتهامات في تقرير غولدستون، واحدا واحدا. اللجنة المكلفة من الامم المتحدة، كما كتب يقول، اظهرت عدم فهم لطبيعة المواجهة التي دارت في القطاع. وهو يرفض الادعاءات ضد قصف احتفال التخريج لشرطة حماس في بداية الحملة، يبرر نار الراجمات ردا من الجيش الاسرائيلي في بعض من الحالات، ويتهم غولدستون في محاولة حياكة "لائحة اتهام عامة ضد اسرائيل في محاولة لتصويرها لدولة مفترسة". ومع ذلك فقد كتب يقول ان من المهم ان ترد اسرائيل على التقرير بعرض المبادىء التي عملت بموجبها في غزة، فتكشف بذلك الاراء المسبقة التي وجهت خطة اللجنة. "لا يكفي التنديد بالتقرير. مطلوب تحقيق ذاتي في الاتهامات المحددة. هكذا تتمكن اسرائيل من تثبيت شرعة لحقها في الدفاع عن النفس في الجولة القادمة".