حملة "رصاص مصبوب" تميزت باوامر لا لبس فيها لقوات الجيش الاسرائيلي: المهم أن تحافظوا على أنفسكم. لا تقعوا في الاسر ولا تصابوا باذى. موت جندي، والاسوأ من ذلك، اختطافه على ايدي حماس، هما الفشل الاسوأ. هذه السياسة أملت سلم اولويات واضح: حياة الجندي الاسرائيلي مفضلة على حياة المقيم الفلسطيني. من الافضل الحذر في أمان جنودنا على حساب السكان المحليين. اذا ثار شك بان في بيت معين يوجد قناص؟ مبدأ الحذر يستوجب اطلاق النار من مدفع دبابة نحو البيت اياه. سلم الاولويات هذا حظي بتأييد جارف من الجمهور الاسرائيلي بل وحصل ايضا على اسناد اخلاقي من فلاسفة مدنيين. وفي اسرائيل قلائل فقط تساءلوا عن نسبة القتلى: اكثر من 1.000 فلسطيني، الكثير منهم مدنيون ابرياء، مقابل 15 جنديا، بعضهم اصيبوا بنار قواتنا. تقريران بثا مؤخرا في "ستين دقيقة"، برنامج التحقيقات الفائق لشبكة سي.بي.أس في الولايات المتحدة يلمحان بسلم اولويات آخر، جديد، صمم – ربما – بالهام القائد الاعلى لقوات الولايات المتحدة، الحاصل على جائزة نوبل للسلام، براك اوباما. في مركز التقرير الاول كانت مقابلة مع قائد القوات الامريكية وقوات الناتو في افغانستان الجنرال ستانلي ماك – كريستال. فقد صرح الجنرال بان هدفه الاساس هو عدم المس بالمدنيين الافغان، وذلك كي يكونوا على المدى البعيد مع الولايات المتحدة. اما التقرير الثاني، فوصف سرية واحدة من البحارة الامريكيين في جنوب افغانستان. بدأ التقرير بطابور تأبين لسبعة من البحارة الذين قتلوا مؤخرا. في السياق تجرى مقابلة مع قائد السرية الذي يشرح نجاحها في الاشهر الاخيرة: منذ تسلم قيادة السرية، لم يقتل جنودها أي مقاتل افغاني. "حتى بثمن حياة سبعة من جنوده؟" سأل المذيع. "حتى بهذا لثمن"، اجاب الضابط الامريكي. "جئنا لنحمي المواطنين من طالبان، وليس المس بهم". هل يمكن لنا ان نلاحظ هنا سياسة غربية جديدة؟ سياسة تنسجم مع القانون الانساني الدولي، الذي يقضي بان حياة المواطن – أي مواطن – "تساوي" اكثر من حياة القوات المقاتلة؟ عندما انطلق الجيش الاسرائيلي الى حملة "رصاص مصبوب" تبنى قادته المعايير التي نشأت في السنوات الاخيرة في حرب القوى العظمى ضد القوات التي تقاتل دون بزات: الامريكيون في العراق، الروسي في الشيشان، الصينيون في التبت، جيش الحكومة في الباكستان والقوات الغربية في افغانستان. الجيش القوي، بالسلاح الحديث والمتفوق، يخلق بطبيعة الحال اضرارا اكثر في الجانب الاخر، ودون ان يقصد يمس ايضا بالمدنيين الابرياء. الحرب هي أمر بشع ووحشي. ولكن اذا ما تقررت معايير جديدة – كما يبدو الامر من الانباء التي تصل من افغانستان – فسيؤثر الامر علينا ايضا. الجيش الاسرائيلي ليس منقطعا عن العالم، والمقاييس التي يطالب بها العالم من اليهود اعلى من تلك التي يطالب بها نفسه. هل المقاييس التي قررها غولدستون ستكون نظام السلوك العسكري العالمي القادم؟