حدثت احدى اكثر اللحظات غباء هذه السنة في الاعلام الاسرائيلي في يوم كارثة آساف رامون. وقف مراسل ما بين تلال النقب، وبعد ان وصف عمود دخان غير مرئي عاد وطلب بحزم قائلا: "وبعد كل هذا ستكون حاجة الى تحقيق كيف مرت ساعة تقريبا الى ان وصل سلاح الجو الى المكان". ومرة اخرى ثم مرة اخرى: "ستكون حاجة الى تحقيق كيف مرت ساعة تقريبا". اعرف شخصيا طيارين اسقطت طائراتهم او تركوها في معارك جوية او تدريبات كانوا يريدون، يريدون جدا، ان يهب سلاح الجو لمساعدتهم في اقل من ساعة. أتعلمون؟ في ثلاث ساعات. تذكرت هذه السخافات هذا الاسبوع عندما سمعت دعاوى كيف عمل السيد يعقوب (جاك) تايتل مدة 12 سنة ولم يكشفوا عنه. كيف، كيف، كيف؟ سمنوا الاسرائيليين عشرات السنين بقصص عن قدرة الاستخبارات الاسرائيلية (أمان والموساد والشاباك) النادرة التي ذاع صيتها في العالم كله. يرى القارىء الاسرائيلي ان الاستخبارات قادرة على كل شيء، وانها الفضلى في العالم والكبرى. كل "مصير صغير" لابن لادن في صحارى افغانستان يسجل بأجهزة السيسموغراف الحساسة عند مخابراتنا. فكيف لم تعرف شيئا ولا نصف شيء عن تايتل هذا؟ وفي الحقيقة ان الوضع الطبيعي هو انهم لا يعلمون شيئا. لا شيء. ومن هنا فصاعدا تبدأ القصة: فكل معلومة صغيرة تبلغ الاستخبارات نجاح. واحيانا لا يصل شيء واحيانا يعلمون كل شيء. كذلك يلعب الحظ دورا ها هنا. لقد بحثت الاستخبارات 5 سنين عن يحيى عياش "المهندس". بحثوا عنه عندما كان الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة واستطاع جنوده دخول كل بيت وقبو. 5 سنين تامة وآلاف ساعات العمل وملايين الدولارات، الى ان ضبط بهاتف محمول متفجر. ومتى علمنا بالنشاط الذري في ليبيا؟ وفي سورية؟ نشيء أناس في البلاد على الايمان بالسحرة، وبالقدرة غير المعقولة وغير البشرية. كيف لم نعلم بتايتل؟ وكيف بحثنا سنين عن اعضاء "الجبهة السرية اليهودية"؟ أطبق ثلاثون شخصا افواههم الى ان سقطوا في قبضة جهاز الاستخبارات. وماذا عن تايتل؟ لقد عمل وحده، على فترات طويلة، في مواجهة اليهود والعرب واليهود الخلاصيين والمثليين وغيرهم. لم يكشفوا عنه. لا يعني هذا ان الاستخبارات الاسرائيلية ليست ناجعة وجيدة. بل يعني ان كل نجاح لهم يستحق الشكر والتهنئة. بلد محقق معه تطلب هذه الزاوية المتواضعة من هذه الصحيفة منذ عشر سنين التحقيق في اطار لجنة تحقيق رسمية لقضية العمال الاجانب في اسرائيل على اختلاف جوانبها. وتعلم هذه الزاوية المتواضعة الصغيرة من هذه الصحيفة جيدا، انه لا احتمال او يكاد لا يوجد احتمال لحدوث هذا. فلن يريد احد من السلطة الاسرائيلية على اختلاف اجيالها الانتحار العام لان هذه الزاوية البعيدة في هذه الصحيفة تصرخ محتجة منذ عشر سنين. ان قضية العمال الاجانب من اكبر واصعب ما عرفت دولة اسرائيل منذ كانت. يشارك فيها وزراء ونساؤهم، واعضاء كنيست، وأناس احزاب، ورجال اعمال، وحركات استيطان وغيرهم كثير. الحديث عن أناس وعن تيارات سياسية صنعت مالا كثيرا. الحديث يا سادتي عن عشرات وعن مئات ملايين الدولارات، تدفق اكثرها على جيوب خاصة وعلى مؤسسات ومولت حركات وأحزابا في هذا البلد. الحديث ها هنا عن أناس اشرار فاسدين، اعتصروا العمال الاجانب كالليمون قبل ان يقطر داخل كأس الشاي. عن أناس اهتموا بأن يدفع العمال الاجانب مالا ضخما (وكل ذلك قروض) الى جيوبهم وأن يدخلوا بعد وقت قصير من وصولهم اسرائيل في دائرة "غير القانونيين" وهكذا يمكنون عددا اكبر من العمال الاجانب من الاتيان بدلا منهم. العمال الاجانب لا يموتون بل يتبدلون. جميعهم، جميعهم حقا، تساندوا في منع كل تحقيق لهذه القضية، تحقيق يجعل شعر كل مواطن اسرائيلي نزيه يقف. اذا بدأ تحقيق فان البلد كله (تقريبا) سيقف في الصف للتحقيق. ستقع هنا ضحايا سياسية في أعلى رتبة – ولهذا لن يبدأ تحقيق. لا احتمال لذلك لان يدا هنا تغسل يدا واليدان معا تجبيان المال ممتلئتين. تذكير جلعاد شليت. اكثر من 1200 يوم. ماذا؟؟؟ .