رغم المساعي الاخيرة لطهران للايضاح للغرب بانه لم ينته بعد امر مسودة "اتفاق فيينا"، تكثر المؤشرات على أن النظام الايراني، بطريقه الملتوية والدائرية – مصمم على أن يواصل مشروعه النووي والتنكر للاتفاق الذي تبلور حتى قبل ان يوقع. وبالفعل. التعديلات المختلفة والمتنوعة التي تطالب ايران بادخالها الى المسودة تدل على هجر الفكرة التي قبعت في بؤرته. وذلك لان جذور "صيغة فيينا" كانت واردة في تطلعات القوى العظمى لتقليص تهديد القنبلة الايرانية. وذلك من خلال ابعاد معظم اليورانيوم المخصب عن الاراضي الايرانية في مسيرة ترمي الى الضمان الا يكون ممكنا استخلاص مادة مشعة منها. ولكن، الاقتراحات المضادة الحالية من شأنها ان تمنع هذا ايضا، الا اذا كانت تشكل جزءا من تكتيك تفاوضي يرمي الى تحسين المواقف. ولما كان حسب الصيغة التي رسمتها ايران ستبقي في ايدي احمدي نجاد بنية واسعة وذات طاقة كامنة خطيرة من اليورانيوم المخصب حتى بعد الاتفاق، فان في ذلك ما يدفع الىالانهيار الاسس التي اقيمت عليها الاتفاقات الاولية بين الاطراف. على خلفية التجربة المتواصلة لكسب الوقت وذر الرماد في عيون الغرب، تقترب بسرعة لحظة الحقيقة لدى الرئيس اوباما، فبعد أن مر التاريخ الاولي الذي طرحه لاستنفاد المفاوضات، بات من الضروري ظاهرا الهجر الفوري للمسار الدبلوماسي المعتدل والمتصالح وتبني استراتيجية لا هوادة فيها حيال المواقف الانتهازية الايرانية. وفضلا عن ذلك فانه حتى لو كان مستبعدا الحصول على موافقة الصين وروسيا على خطوات عقابية حادة، فبوسع الادارة المدنية ان تقود تحالفا متراصا من القوى العظمى الغربية يجبر ايران على أن تدفع ثمنا اقتصاديا باهظا لقاء تواصل رفضها. غير أنه لخيار العقوبات المتصاعدة شارة ثمن سياسية ونفسية عالية لدى اوباما ومن المشكوك فيه أن يتبناها في المستقبل القريب القادم. وذلك لان الامر يحتاج الى انقطاع قاس وأليم عن قيمه والاعتراف بأن اعتقاده بانه يمكن حمل القوى المتطرفة في الساحة الدولية على الاعتدال من خلال الاعتماد على سلة حوافز واغراءات – مدحوض من اساسه. فمثل هذا الاعتراف هو اعتراف بالفشل الذريع لسياسته حتى الان.كما أن المقتضيات العملية لهذا التفكير أي النظر بامعان في سيناريوهات التصعيد في الساحة، بما فيها سيناريو عملية عسكرية اسرائيلية ضد المنشآت النووية لايران، والتي طلب الرئيس حتى الان دحره الى الزاوية – لن يكون سهلا على الاطلاق بالنسبة لنا. اذا ما اضفنا الى الجمود الحالي في الساحة الايرانية الاحداث الاخيرة في الباكستان وفي افغانستان تتضح جملة من بؤر الازمة، الحروب وانعدام الاستقرار، التي تتوق – عبثا حتى الان – ليد امريكية واثقة ونشطة. الرد المتردد من جانب وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على سلوك ايران يدل على أن عملية الصحوة من وهم المصالحة والشراكة مع طهران ستكون بطيئة وطويلة ولا يزال اليوم الذي يقسم فيه ظهر البعير بعيدا.