تستحق المقاربة الإسرائيلية لتقرير غولدستون التأمل والقراءة , كونها تقدم فكرة واضحة عن طبيعة فهم إسرائيل لنفسها كما المحيط العربي والدولي، بتجرد ومهنية بحتة , يمكن القول ان تلك المقاربة انطلقت بشكل أساسي , من الغطرسة او العنجهية القائمة على المبادئ والعقائد التي وضعها مؤسس الدولة العبرية دافيد بن غوريون , وما زالت سارية المفعول حتى اليوم وأهمها طبعاً في الشق السياسي مقولته الشهيرة ليس مهم ما يقوله الاغيار , الأهم ما يفعله اليهود، وهى التي تتفرع فيها العبارة او التساؤل الشهير ما هي الأمم المتحدة انها مجرد قفر.منذ تشكيل لجنة غولدستون تعاطت إسرائيل معها بغطرسة وعنجهية , رفضت التعاون او التعاطى معها بأي شكل من الاشكال , ، بحجة انها مدانة مسبقا ولا تريد اضفاء الشرعية على لجنة شكلت ضد ارادتها كما انها ترفض من حيث المبدأ لجنة تحقيق خارجية فى تصرفات الجيش الذى تدعى انه الاكثر اخلاقية وطهارة فى العالم . غير أن صدور التقرير وما حمله من استنتاجات أساسية واتهامات بارتكاب جرائم حرب وربما جرائم ضد الانسانية ايضا , أثار حفيظة إسرائيل التي انتقلت من اللامبالاة الى الهجوم مع الاستناد دائماً إلى العنجهية الغطرسة، بدا الامر بالهجوم الشخصى ضد غولدستون واتهامه بالانحياز والعداء لاسرائيل , ولولا انه يهودى لاتهم حتما باللاسامية، مع التقليل من اهمية التقرير نفسه وتسخيفه ووصفه بانه سطحى نمطى ملىء بالاكاذيب , وعندما كبرت كرة الثلج بدأ القصف الاعلامى والسياسى المركز وفى عدة ابعاد , فكرية وايديولوجية كونه يمنع الدول الديموقراطية والمتحضرة من مواجهة الارهاب , وسياسية بحجة ان يعرقل عملية السلام قدر و يؤثر سلباً عليها كونها مشروطة بحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها كما تراه مناسباً وبتفصيل أكثرفإن المجازفة من أجل السلام وتقديم التنازلات , تقتضي بالضرورة احتفاظ إسرائيل بزمام المبادرة وفعل ما يحلو لها وفق قاعدة بن غوريون الشهيرة ليس مهم ما يقوله الأغيار الأهم ما يفعله اليهود..اذن وكما دائما تحكمت الغطرسة والعنجهية بالآداء الإسرائيلي , وعلى ذلك كان التبجح بإجبار السلطة وأخرين على تأجيل عرض التقرير امام مجلس حقوق الانسان فى المرة الاولى , بعدما تم تدارك الخطأ من قبل السلطة الفلسطينية , وبالتالى اعادة عرضه على المجلس , تصرف نتنياهو كمسوؤل ملف غولدستون في وزارة الخارجية حسب تعبيرات مسوؤلين فى الوزارة، وخاض في حوارات وسجالات طويلة مع زعماء اوروبيين , وكالعادة لم يكن مستعد لسماع وجهة النظر الأخرى التي حرص اقرب اصدقاء اسرائيل غوردون براون ونيكولا ساركوزى ن على ارسالها مكتوبة إلى نتنياهو , لابد من تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للنظر فى توصيات واتهامات التقرير , اضافة الى رفع الحصار والسماح بادخال المساعدات الانسانية ومستلزمات اعادة الاعمار الى غزة , وفى السياق تجميد الاستيطان بشكل تام , والخوض فى مفاوضات جدية مع السلطة حول القضايا النهائية , من اجل التوصل الى اتفاق سلام للصراع فى فلسطين , وبدون ذلك لن يكون بالامكان ازالة التقرير عن جدول الاعمال والدفاع عن اسرائيل فى المحافل الدولية ..المعطيات السابقة لم تغير من الموقف الإسرائيلي شيئا , عندما اجتمع المجلس الوزاري الأمنى المصغر بعد اقرار التقرير فى جنيف , جرى التجاهل التام لفكرة تشكيل لجنة تحقق مستقلة حتى لفحص اداء الجيش اثناء حرب غزة , رغم موافقة عديد من الوزراء والمستشار القانونى للحكومة ,على خلفية الفهم باستحالة التصدى لتداعيات التقرير ],دون فعل ذلك , كما وفق القاعدة الاسرائلية التقليدية ايضا , اكل الكعكة وبيعها للعالم فى نفس الوقت , وفى حالتنا لجنة غير رسمية لفحص اداء الجيش , وتقديم التوصيات للحرب القادمة دون اى استنتاجات شخصية ومنظوماتية بالنسبة للحرب السابقة , وفى المقابل وافق المجلس على تشكيل لجنة ديبلوماسية قضائية , باشراف وزارة الخارجية , للدفاع عن القادة والمسوؤلين السياسيين والعسكريين ولتكرار الادعاءات السمجة والوقحة عن الديموقراطية وحقوق الانسان , والخوف المصطنع على عملية السلام-المتوقفة والتى لا يؤمن بها حتى وزير الخارجية ليبرمان حسب تعبير غولدستون- والاخطر الدعوة لتغيير قواعد الحرب فى مواجهة الارهاب , بمعنى شرعنة جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية فى مقابل مفهوم العقاب والمساءلة كممر اجبارى نحو السلام والاستقرار وهو المفهوم الاساس الذى ارتكز عليه تقرير غولدستون . سنعيش مع تقرير غولدستون سنوات طويلة , وسنعمل لنزع الشرعية عن التقرير الذي نزع الشرعية عن اسرائيل , هكذا قال نتن ياهو وهو فهم فى الحقيقة المغزى الجوهري والعميق للتقرير , إسرائيل مدانة معنويا واخلاقيا , جماهيرياً و سياسياً وإعلامياً , ما يسهل على اعدائها خوض معركتهم وسط الرأي العام الديموقراطى والمتحضر خصوصا فى اوروبا , استخلاص نتنياهو صحيح غير أن وسائل المواجهة مغوطة طبعا , منذ سنين طويلة لا تريد إسرائيل التوقف وإجراء مراجعة جدية شجاعة وصريحة لمفهوم جامد اخر حكم مسيرتها مفاده , ما لم يتحقق بالقوة يتحقق بالبمزيد منها , رغم ان الوقائع على الارض دحضته وما زالت بدليل بقاء القضية الفلسطينية حية لاكثر من ستين عام , وبدليل ان ليبرمان الان يفكر فى تحقيق ما عجز عنه سابقوه وهو شطب القضية عن جدول الاعمال الاقليمى والدولى . ذخر كبير هذا التقرير لنا كعرب وفلسطينيين , و غير أن الأمر منوط بتصرفنا بشكل منظم ومرتب ومخاطبة العالم والرأي العام بلغة يفهمها ويستوعبها قائمة على المظلومية والتواضع بدلا من الاستعراض والسطحية , وتكون مماثلة تماما لتلك التى كتب بها ريتشارد غولدستون تقريره. مدير مركز شرق المتوسط للاعلام