من الاشياء المشهورة – شهرة سيئة – ان اسرائيل تعاني نسب فقر عالية جدا. بحسب مقارنات دولية نشرت هذا الاسبوع، تعيش كل عائلة من خمس عائلات في البلاد تحت خط الفقر، قياسا بفرنسا مثلا، حيث تصنف عائلة واحدة من كل 12 عائلة على انها فقيرة. او الدنمارك – حيث واحدة من كل 20. تمتاز اسرائيل – ومرة اخرى امتيازا سيئا – بعدم المساواة في توزيع الايرادات بين سكانها. ازداد عدم المساواة في العقد الاخير: فالحكومات اقتطعت من مخصصات الرفاهة ومنحت الحاصلين على ايرادات عالية تخفيضات ضريبية. بيد ان هذه الصورة التبسيطية تتعقد عندما نفحص مراكز الفقر فحصا عميقا، كما فعلت مؤسسة التأمين الوطني في المدة الاخيرة. المركز الاول هو الوسط العربي: فـ 51 في المائة من العائلات العربية تعتاش على ايراد تحت خط الفقر. والمركز الثاني هو الطائفة الحريدية: فـ 50 في المائة من العائلات الحريدية ناشبة نشوبا عميقا في الفقر. ومركز فقر بارز ثالث هو المهاجرون منذ 1990 من الاتحاد السوفياتي السابق ومن اثيوبيا. نسبة الفقر بين اليهود القدماء 11.5 في المائة، وبين عائلات اليهود القدماء فوق سن الثلاثين 9 في المائة فقط كما هي الحال في دول غربية متقدمة. ان مقاييس عدم المساواة التي تشتق من توزع الايرادات ترسم الصورة نفسها وهي ان الفروق في المجتمع اليهودي القديم (غير مشتمل على المهاجرين منذ 1990) ليست شاذة شذوذا كبيرا. تفسر هذه الصورة الاحصائية جيدا عدم المبالاة النسبي للرأي العام بخطورة الوضع فالفقر لا يرى خارج مناطقه المحدودة. وتفسر هذه الصورة ايضا امتناع الباحثين في الفقر عن تناول مجموعتي انتماء تظهران في الخطاب الاسرائيلي: "الشرقيين" و "الغربيين". ان تصنيف السكان بحسب الارض التي هاجر منها رئيس العائلة – او والد العائلة في الجيل الثاني – لا يسهم في تحليل الفروق. هل يعني ذلك ان مسيرة المزج بين الجاليات قد أتمت وان الفروق في مستويات العيش اختفت في هذا المستوى؟ لا. فبحسب الاستطلاع الاخير للايرادات الذي نشره المكتب المركزي للاحصاء، يقل الايراد الصافي لعائلة أجراء على رأسها مهاجر قديم من آسيا او افريقيا عن ايراد عائلة يرأسها مهاجر قديم من اوروبا بنحو من 17 في المائة. ولا تتقلص الفروق في الجيل الثاني بل تزداد عمقا على قدر ما: فالايراد الصافي لعائلة أجراء مولودين في اسرائيل من اصل "شرقي" أقل بنحو من 20 في المائة من الايراد الصافي لعائلة أجراء مولودين في اسرائيل من أصل "غربي". هذه حقيقة احصائية مقلقة. ومصدرها الفروق في الدراسة بين مجموعات الاصل. فنسبة الاكاديميين في الجيل الثاني من المهاجرين من اوروبا ضعف النسبة في الجيل من المهاجرين من البلدان الاسلامية. ونسبة من يتقدمون لامتحان الشهادة الثانوية العامة ونسبة من يتابعون الدراسة بعد امتحان الشهادة الثانوية العامة ما تزال منخفضة كثيرا في المجموعة "الشرقية". مع ذلك لا تتحدث الارقام من تلقاء أنفسها. فهي تترك مكانا لتحفظات جوهرية. أولا تعريف "الشرقي" و "الغربي" الذي يستعمله المكتب المركزي للاحصاء بالنسبة للمولودين في اسرائيل – ارض هجرة الوالد فقط – تعريق مشكل. وماذا لو كانت الأم قد ولدت في مصر والأب في رومانيا؟ أهذه عائلة "شرقية"؟ أهي "غربية"؟ بالمناسبة، رفضت نسبة كبيرة من الاسرائيليين سئلوا في الاستطلاعات عن أصل والديهم الجواب البتة. فقد بدى السؤال لهم مغضبا لا حاجة اليه. ثانيا غير مليون مهاجر "غربي" من الاتحاد السوفياتي السابق التركيبة السكانية للمجموعات الضعيفة. ان نسب الفقر بين المهاجرين الجدد عالية جدا ولا سيما بين الشيوخ. ايرادهم المتوسط أقل من ايراد "الشرقيين". يسكن كثيرون الضواحي ويغيرون وجهها. لقد اختفت المماهاة التلقائية بين مدينة تطوير ومهاجرين من آسيا وافريقيا. لا يوجد لذلك أي تسويغ، اذا استثنينا الغوغائية التي تتغلغل في المدة الاخيرة الى الاكاديميا ايضا، لان نجمع معا "الشرقيين" و "العرب" ونجعلهم جماعة واحدة ازاء "الغربيين". فالفقر الشديد عند الجمهور العربي، كما عند الجمهور الحريدي، هو الذي يجعل اسرائيل متقدمة في الغرب في مقاييس عدم المساواة الاقتصادي. هنا تدفن رؤيا اسرائيل الاشتراكية، لا في الفروق التي لا تزال موجودة بين اليهود من أصل طائفي مختلف. ومن زعم خلاف ذلك مقطوع عن الحقائق.